نحو نموذج حضرمي للشراكة والحوكمة: دراسة في فلسفة وأسس المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية “الجزء الاول”
بقلم : م. لطفي بن سعدون الصيعري.
الاحد 5 يوليو 2026
«”إن الأمم لا تقاس بعظمة رجالها فحسب، بل بقدرتها على بناء مؤسسات تستمر بعدهم.”»
تشهد حضرموت اليوم مرحلة تاريخية دقيقة، تتشابك فيها التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والخدمية، وتتعاظم فيها تطلعات أبنائها نحو بناء نموذج إداري وسياسي أكثر كفاءة وعدالة وقدرة على التعبير عن إرادتهم.
لقد أثبتت التجارب، في اليمن وفي غيرها، أن الاعتماد على الأفراد مهما بلغت كفاءتهم لا يكفي لصناعة مستقبل مستقر، لأن الأشخاص يتغيرون، بينما تبقى المؤسسات. ومن هنا أصبح الانتقال من ثقافة الأشخاص الفردية إلى ثقافة المؤسسات الجمعية ، ضرورة وطنية وليست مجرد خيار إداري.
لقد عانت الحياة السياسية في حضرموت طوال العقود الماضية من هيمنة الولاءات الحزبية المركزية والشخصية والقبلية، وغابت في كثير من الأحيان المؤسسات القادرة على جمع الطاقات المختلفة في إطار منظم. وكانت النتيجة ضعفاً في التخطيط والعمل المؤسسي، وتكراراً للأزمات، وصعوبة في تحقيق التنمية المستدامة، وتعطلاً لفرص بناء شراكات حقيقية بين مكونات المجتمع.
وفي المقابل، تؤكد التجارب الدولية أن المجتمعات التي نجحت في إدارة تنوعها لم تعتمد على مبدأ الغلبة، بل على بناء مؤسسات للحوار والتوافق وصناعة القرار المشترك. فالمؤسسة الناجحة ليست بديلاً عن الإرادة الشعبية، وإنما هي الأداة التي تنظم هذه الإرادة وتحولها إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
وتتميز حضرموت بخصوصية تجعلها أكثر حاجة إلى هذا النهج؛ فهي تمتلك تنوعاً جغرافياً واسعاً، وعمقاً تاريخياً، وإرثاً قبلياً واجتماعياً راسخاً، ونخبة علمية واقتصادية داخل الوطن وخارجه، وثروات طبيعية وموقعاً استراتيجياً. وهذه المقومات لا يمكن توظيفها بكفاءة إلا عبر مؤسسات تجمع ولا تفرق، وتنسق ولا تتصارع، وتخطط للمستقبل بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات.
ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بداية لمسار مؤسسي، وليس نهاية المطاف. فقيمة المجلس لن تُقاس بعدد أعضائه أو بالأسماء التي يضمها، وإنما بقدرته على ترسيخ ثقافة الحوار، وتوسيع المشاركة، واحترام التعددية، وتحويل الاختلاف إلى مصدر قوة لا سبباً للانقسام.
إن نجاح هذا المشروع يتطلب الابتعاد عن منطق التأييد المطلق أو الرفض المطلق، والانتقال إلى ثقافة التقويم والتطوير المستمر. فالمؤسسات الناجحة لا تولد كاملة، وإنما تنضج عبر الممارسة، والمراجعة، واستيعاب الملاحظات، وتصحيح أوجه القصور. ولأجل الوصول الى رؤية منطقية علمية تحدد اسس الرفض والتاييد لمثل هذه السردية السياسية ، فإننا سنتناول هذا الموضوع على حلقات حتى استكمال الرؤية لتشكيل المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية.
ومن هنا، فإن حلقات هذه الدراسة لا تنطلق من الدفاع عن قرار أو معارضة قرار، بطريقة مزاجية تبسيطية غير علمية ملتزمة ، وإنما تنطلق من إيمان راسخ بأن مستقبل حضرموت لن يصنعه الصراع بين المكونات، بل سيصنعه توافقها داخل مؤسسات قوية، شفافة، وعادلة، تستمد مشروعيتها من القانون، وقوتها من ثقة المجتمع، ونجاحها من قدرتها على خدمة الإنسان الحضرمي وصيانة مصالحه.






