اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت من ضغط الخدمات إلى الضاغط: نتائج الهندسة الأسترتجية في اختيار ميدان المواجهة

حضرموت من ضغط الخدمات إلى الضاغط: نتائج الهندسة الأسترتجية في اختيار ميدان المواجهة

بقلم/ عمار العامري
“صحفي ومحلل سياسي”

في الصراعات السياسية لا تنتصر الجهة التي تملك القوة الأكبر دائماً، وإنما الجهة التي تعرف أين تدير معركتها، فلكل طرف مساحة يتفوق فيها، ومساحة يخسر فيها، الحكمة السياسية تكمن في اختيار الميدان، لا في خوض كل معركة يمكن أن تستدرج طرف للأرهاق، ثم فرض عليه الشروط.
هناك العديد من التحقيقات والتقارير تثبت وجود شبكات مصالح متداخلة لها علاقة بمؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع، فإن الاصطدام المباشر معها يحمل تكلفة مرتفعة، هذه الشبكات لا تعتمد على مركز نفوذ واحد، وإنما على شبكة من العلاقات تجعل المواجهة الإدارية أو السياسية طويلة ومعقدة، في مثل هذا الواقع، يتحول السؤال من “كيف نواجه؟” إلى “أين نواجه؟”، وهذا فعلاً ما أدركته قيادة السلطة المحلية بحضرموت.
من هنا تبرز ملفات الكهرباء والمشتقات النفطية كواحدة من أكثر الملفات قدرة على تغيير موازين الضغط، فهي قضية إنسانية تمس حياة كل مواطن، وكلما اتسعت معاناة الناس، ارتفع مستوى الاهتمام الرسمي والإقليمي بها، لأن استمرارها ينعكس على الاستقرار العام.
ولو عدنا بالذاكرة قليلًا إلى الوراء، ووضعنا مقارنة بسيطة بين أداء السلطة المحلية السابقة في حضرموت والسلطة الحالية، سنجد فارقًا يلمسه المواطن في تفاصيل يومه؛ ملف الخدمات سابقاً كان ينعم باستقرار نسبي واضح، وتحديداً في توفر المشتقات النفطية وسلاستها مقارنة بوضع اليوم المعقد, لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: ما الذي تغير فعلياً؟
الإجابة لا تكمن في كفاءة الأشخاص بقدر ما تكمن في تبدل التوازنات السياسية, في عهد السلطة السابقة، كان هناك انقسام واضح في الرؤية؛ تيار يميل نحو “جنوبية حضرموت” وربطها بالمشروع الجنوبي العام، وتيار آخر يرى أن حضرموت يجب أن تكون “طرفاً ثالثاً” مستقلاً داخل المعادلة، ومع تراجع مشروع “الجنوبة” وتبدل شخوص السلطة المحلية، صعدت إلى الواجهة سلطة جديدة تدعم “القضية الحضرمية” كأولوية ترفض التبعية،
هذا التحول أزعج الكثيرين، فالجميع يدرك أنه إذا مُنحت حضرموت المساحة الكافية للاستقرار، ستتحول فوراً إلى مركز ثقل اقتصادي وسياسي يستحيل تجاوزه، وهو أمر يتعارض مباشرة مع مصالح مشاريع سياسية أخرى، من هنا وكما يشير مراقبون، بدأ “الاستثمار الخبيث” في ملف الخدمات، تحالفت أطراف مستفيدة من بقاء المركزية الشديدة مع أطراف أخرى لها مآرب مختلفة، لتبدأ عملية خنق ممنهجة لحضرموت عبر الكهرباء والوقود.
أعتقد أن السلطة المحلية الحالية استوعبت حجم هذا التعقيد مبكراً، أدركت أن الدخول في صدام مباشر مع هذه الشبكة المعقدة من المصالح سيكون بمثابة استنزاف طويل المدى بلا مكاسب حقيقية، بل قد يدمر ما تم إنجازه، لذلك، فضلت السلطة خيار “الانتظار الذكي” وترك الشارع ليعبّر عن غضبه الطبيعي؛ فكل ضغط يولّد انفجاراً، والميدان الشعبي هو الساحة الأمثل لمواجهة “عدو متستر” يدير حروبه من خلف الستار عبر الأزمات الخدمية التي تنتج كوارث إنسانية تحرج القوى الدولية والفاعلين في الملف اليمني.
اليوم، بدأت ثمار هذه الاستراتيجية الهادئة تظهر للعيان، الضغط الشعبي المحسوب أثمر عن دعم إسعافي عاجل لقطاع الكهرباء، واضطرت الأطراف العابثة إلى التراجع تحت وطأة الضغوط، بل إن السخرية تجلت في محاولة بعض القوات قلب المشهد وتصوير نفسها في دور “المنقذ” الذي أوقف العبث ووفر المشتقات النفطية، في مسرحية تستوجب علينا شكرها على أي حال.
لكن الفضل في النهاية يعود لـ “مهندس” هذه السياسة، الذي أثبت حنكة في اختيار توقيت وميدان المواجهة، ولم تتوقف مكاسب هذه المناورة عند حدود التوفير، إنما امتدت لتثمر أيضاً عن إعادة ربط بعض البنوك والمؤسسات الإيرادية التي كانت تتهرب من التوريد لخزينة الدولة في عدن، إنها معركة العض على الأصابع، وحضرموت عرفت كيف تديرها بدهاء سياسي.
ويبقاء المشهد متأرجح كون التنازلات تأتي بتفاوضات وإذا كُشفت الأدور يتغير النظام، لينتج أدوار جديدة لا فيها منتصر، وإنما أولوية الدور في التأثير على رقع جغرافية محددة، وربما لكل دور رقعة خاصة حسب مراكز النفوذ.

إغلاق