اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين يحتاجك وهو حي… لا تؤجل إنسانيتك إلى جنازته

حين يحتاجك وهو حي… لا تؤجل إنسانيتك إلى جنازته

بقلم / عـمر عوض بلقحيش
الجمعة 26 يونيو 2026

من أقسى المشاهد التي تتكرر في مجتمعاتنا أن ترى إنسانًا يذبل أمام أعين الناس، ولا يجد من ينتشل معاناته.

يمرض… فيصف له الطبيب علاجًا، ثم يقف أمام الصيدلي يسأل عن السعر، فيكتشف أن ثمن الدواء أكبر من قدرته. يعيد الوصفة إلى جيبه، ويغادر بصمت، لا لأنه شُفي، بل لأنه لا يملك ثمن الشفاء.

يتألم ليلًا، ويقاوم نهارًا، ويؤجل العلاج مرة بعد أخرى، ليس استهانةً بمرضه، وإنما لأن الفقر أقسى من الألم.

وقد يحتاج إلى عملية جراحية، أو جلسات علاج، أو فحص طبي، لكنه يكتفي بالدعاء؛ لأن يده فارغة، وجيبه خالٍ، ولا يريد أن يثقل على أحد.

تمر الأيام… وربما تمر الشهور… والناس يعرفون حاله، ويقولون: “الله يعينه”، ثم يمضي كلٌ إلى شأنه.

فإذا جاءه الموت…

اهتزت القلوب، وانهالت رسائل الرثاء، وتسابق الناس إلى التبرعات، وجُمعت الأموال في ساعات، حتى قد تنال أسرته من الدعم بعد وفاته ما لو وصل إليه في حياته، لكان سببًا في علاجه، أو تخفيف ألمه، أو حفظ كرامته، أو حتى إطالة عمره بإذن الله.

وهنا يقف الضمير أمام سؤال لا ينبغي الهروب منه:

لماذا أصبح كريمًا بعد أن فقدناه؟ ولماذا تأخرت الرحمة حتى لم يعد يشعر بها صاحبها؟

ليس الفقير بحاجة إلى دموعنا بعد موته، بل إلى رحمتنا وهو حي.

وليس المريض بحاجة إلى كلمات الرثاء، بل إلى من يشتري له دواءه قبل أن يُغلق ملفه في المستشفى، ويُفتح له قبره.

كم من إنسان لم يكن يريد ملايين، وإنما كان يحتاج ثمن دواء، أو قيمة أشعة، أو أجرة عملية، أو سلة غذاء تحفظ ماء وجهه أمام أطفاله.

وربما لو وجد من يقف معه في الوقت المناسب، لكان اليوم بين أهله وأولاده، يبتسم، ويدعو لمن أحسن إليه.

الخير ليس أن نبكي على من مات، وإنما أن ننقذ من لا يزال يستغيث وهو حي.

فلنبحث عن المحتاج قبل أن نبحث عن ورثته، ولنطرق باب المريض قبل أن نطرق باب العزاء، ولنزرع الأمل في قلب من لا يزال يتنفس، فرب صدقة في وقتها أحيت قلبًا، ورفعت بلاءً، وكانت عند الله أعظم من أموال تُجمع بعد أن يغادر صاحب الحاجة هذه الدنيا.

فالإنسان لا يحتاج إلى كرمنا بعد موته بقدر ما يحتاج إليه في أشد أيام حياته ضعفًا وألمًا.

إغلاق