جيش الوكلاء في حضرموت والمحافظات المحررة: تضخم إداري يلتهم موارد شعب يعيش تحت خط الفقر
بقلم: أ. د. خالد سالم باوزير
في الوقت الذي يعيش فيه الوطن أزمة اقتصادية خانقة، فُوجئ الشارع اليمني، وتحديداً في محافظة حضرموت، بصدور حزمة من القرارات الرئاسية التي قضت بتعيين سبعة وكلاء لمحافظة حضرموت في الساحل، يضافون إلى ستة وكلاء ومساعدين وُجدوا سابقاً في الوادي والصحراء. هذا التضخم لا يقتصر على حضرموت وحدها؛ فالمحافظات المحررة كعدن، وتعز، ومأرب، وأبين، وشبوة، تعج بأعداد من الوكلاء والمساعدين المعينين بقرارات جمهورية، يتجاوز أعدادهم أصابع اليد الواحدة في المحافظة الواحدة.
أمام هذا المشهد، يبرز تساؤل ملح يطرحه الشارع والنخب الأكاديمية والسياسية على حد سواء: لماذا كل هذه الأعداد المهولة من الوكلاء والمساعدين؟ وهل تحتاج دواوين المحافظات فعلياً إلى هذا “الجيش الجرار” لتسيير أعمالها وتنفيذ خططها التنموية الغائبة أساساً؟
إن تعيين كل وكيل أو مساعد يترتب عليه بالضرورة عبء مالي ضخم تتحمله خزينة الدولة المنهكة؛ فكل مسؤول يحتاج إلى مكتب، وسيارة، وموظفين، ونثريات شهرية، ومحروقات، وحراسة أمنية، ناهيك عن تأثيث السكن وتسديد فواتير الطاقة والاتصالات.
وفي ظل انخفاض موارد الدولة، يقع عبء هذا الإنفاق الباذخ على حساب لقمة عيش المواطن البسيط، وهو ما ينعكس سلباً على انتظام صرف رواتب الموظفين في القطاعين المدني والعسكري؛ حيث تمر الشهور دون أن يتقاضى منتسبو الأجهزة الأمنية مستحقاتهم، بينما يتأخر صرف رواتب المدنيين إلى ما بعد نهاية الشهر بأسبوع أو أكثر.
إن هذا التعيين العشوائي يضعنا أمام فرضيات مؤلمة؛ فإما أن المسألة مجرد محاكاة عشوائية وتعميم لتجارب متضخمة كما حدث في عدن، أو أن هناك ثغرات في قانون الحكم المحلي تُستغل لتمرير هذه الأعداد، أو ـ وهو الأرجح ـ أن الأمر لا يعدو كونه محاصصة سياسية وترضيات لشخصيات ووجاهات على حساب مصلحة الشعب، تقودها أحزاب أثبتت فشلها عبر التاريخ.
لقد تسبب هذا العبث الإداري بصدمة حقيقية للرأي العام في حضرموت والمحافظات الأخرى، ودفعت بالعديد من الشخصيات الأكاديمية والسياسية المستقلة للتعبير عن استنكارها لآلية التهام موارد الدولة، بدءاً من هذا الفائض في الوكلاء، مروراً بالسلك الدبلوماسي المتضخم، وصولاً إلى المحظوظين ممن يتقاضون رواتب إعاشة بالدولار وهم قابعون في فنادق العواصم العربية والأجنبية.
وهنا نوجه خطابنا إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة: نتمنى منكم التفكير ملياً، هل يستفيد المواطن المطحون من هذا الكم الهائل من التعيينات في بلد ينخر فيه الفساد المالي والإداري؟ وهل هناك أمل في الخروج من الأزمات المتراكمة طالما استمرت العقليات الرسمية في إدارة البلاد بهذا الأسلوب؟
كيف يستقيم هذا البذخ في بلد يعتمد على الهبات، والقروض، والمساعدات الشحيحة، وتتوقف فيه عملية تصدير الثروات النفطية والسيادية؟ إن أكثر من 80% من أبناء هذا الشعب يعيشون تحت خط الفقر، وهناك أسر لا تجد قوت يومها، في ظل انعدام فرص العمل وشلل الخدمات الأساسية كقضايا الساعة: الكهرباء، والصحة، والمياه، والتعليم.
اتقوا الله في هذا الشعب؛ فبدلاً من تبديد الأموال على امتيازات ونثريات لوكلاء (هم في الأصل موظفون أو أساتذة جامعات يتقاضون رواتبهم من جهات عملهم)، كان الأولى توجيه هذه النفقات لسد الثغرات المدمرة في قطاع الخدمات، وإعادة الحياة للمرافق الحيوية في المحافظات المحررة.
هذا والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.






