مفاوضات الطرشان.. غنِّ يا ليل ما أطولك
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
19 يونيو 2026
في الشرق الأوسط، لا تنتهي الأزمات بتوقيع الاتفاقات، ولا تبدأ الحروب بإطلاق الصواريخ فقط. فبين التصعيد والتهدئة، وبين الرسائل العسكرية والتفاهمات السرية، تعيش المنطقة على إيقاع معادلة معقدة عنوانها: “مفاوضات الطرشان”.
لقد شهد العالم خلال الفترة الماضية مؤشرات واضحة على وجود تفاهمات أمريكية إيرانية غير مكتملة؛ فالمفاوضات لم تنجح في الوصول إلى اتفاق نهائي وشامل، لكنها في المقابل لم تنهَر بالكامل.
تم السماح بمرور السفن عبر المضائق الحيوية، وأُفرج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، وعادت صادرات النفط الإيرانية إلى الأسواق بوتيرة أكبر، في مقابل ضبط إيقاع التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.
إنها سياسة إدارة الأزمة لا حلها، وشراء الوقت لا صناعة السلام.
فكل طرف يعلن تمسكه بمواقفه المعلنة أمام جمهوره وحلفائه، لكنه في الوقت نفسه يرسل رسائل مختلفة خلف الأبواب المغلقة، لأن المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة واستقرار الأسواق العالمية تفرض واقعاً لا يمكن تجاهله.
الولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة واسعة في المنطقة ستنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، وإيران تدرك أن كلفة المواجهة المفتوحة قد تكون أكبر من قدرتها على الاحتمال.
وهكذا تستمر المفاوضات، لا بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي، بل بهدف منع الانفجار الكبير.
المفارقة أن الجميع يتحدث عن السلام، لكن الجميع يستعد للحرب. والجميع يلوح بالتصعيد، لكن الجميع يخشى تبعاته.
إنها ليست دبلوماسية تقليدية، بل إدارة دقيقة لحافة الهاوية.
وفي خضم هذا المشهد، يبدو أن المنطقة انتقلت من مرحلة “حوار الطرشان” إلى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة: “مفاوضات الطرشان”، حيث يسمع كل طرف ما يريد سماعه، ويتجاهل ما لا يخدم مصالحه، فتتكرر الجولات، وتتغير العناوين، ويبقى جوهر الخلاف قائماً.
ولعل المثل الشعبي يختصر المشهد بأكمله: “غنِّ يا ليل ما أطولك”.
فالأزمة لم تعد أزمة غياب قنوات التواصل، بل أزمة غياب الإرادة السياسية للوصول إلى تسوية نهائية وعادلة ومستدامة.
وسط هذا الضجيج، تبرز الحكمة السعودية بوصفها نموذجاً مختلفاً في إدارة الأزمات؛ فالمملكة تنظر إلى المنطقة بمنظور استراتيجي يتجاوز الحسابات الآنية والانفعالات المؤقتة.
لقد أدركت المملكة مبكراً أن الاستقرار لا يُبنى بالتصعيد، وأن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بحجم الخطابات، بل بالقدرة على صناعة التوازنات وفتح مسارات الحوار وخفض التوترات.
ومن هذا المنطلق، واصلت المملكة انتهاج سياسة تقوم على الواقعية السياسية، والتمسك بمبدأ حسن الجوار، ودعم الحلول الدبلوماسية التي تحفظ أمن المنطقة واستقرارها، بعيداً عن المغامرات غير المحسوبة.
إن الحكمة السعودية لا تراهن على كسب جولة عابرة، بل على منع خسارة المنطقة بأكملها.
وفي عالم تتقاطع فيه المصالح وتتشابك فيه الأزمات، يبقى السؤال الأهم: هل تملك الأطراف المتصارعة الشجاعة الكافية للانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها؟
حتى الآن، تبدو الإجابة مؤجلة.
ولهذا ستظل المنطقة تدور في الحلقة ذاتها، وستبقى المفاوضات مستمرة، والرسائل المتبادلة قائمة، والاتفاقات الجزئية تتوالى، فيما ينتظر الجميع لحظة الحسم التي قد تتأخر كثيراً.
ففي الشرق الأوسط، قد تنجح القوى الكبرى في تأجيل الانفجار، لكنها لا تستطيع تأجيل استحقاقات التاريخ إلى الأبد.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






