اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

ضياع الإنسان… أفدح خسائر اليمن

ضياع الإنسان… أفدح خسائر اليمن

بقلم / محمد ناصر عجلان

عندما تُذكر خسائر اليمن خلال سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة، يتجه الحديث غالبًا إلى الاقتصاد المنهار، والبنية التحتية المدمرة، والخدمات المتعثرة. لكن الحقيقة المؤلمة أن الخسارة الأكبر والأعمق لم تكن في الحجر، بل في الإنسان نفسه.

فخلال ما يقارب خمسة عشر عامًا من الصراع والاضطرابات، أُهدر رصيد هائل من الكفاءات والخبرات الوطنية. آلاف الموظفين والعاملين أفنوا أعمارهم في خدمة مؤسسات الدولة والمجتمع، لكنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أمام واقع قاسٍ؛ رواتب متآكلة، وحقوق ضائعة، ومستقبل غامض، حتى بلغ كثير منهم سن التقاعد دون أن يتمكنوا من تأمين منزل أو مدخرات أو حياة كريمة لأسرهم وأبنائهم.

وفي المقابل، يقف جيل الشباب أمام تحديات لا تقل قسوة. فالبطالة أصبحت واقعًا يوميًا، وسوق العمل يعاني حالة من الجمود، فيما تراجعت الفرص الاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة. وبين أحلام الدراسة والطموح المهني، يجد كثير من الشباب أنفسهم عاجزين عن الحصول على فرصة عمل حقيقية أو حتى البحث عن مستقبل أفضل عبر الاغتراب.

أما الجيل الثالث، جيل الأطفال، فهو يدفع الثمن الأكبر والأطول أثرًا. فآلاف الأطفال يواجهون تحديات تتعلق بالتعليم والصحة والتغذية، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة تهدد مستقبلهم وفرصهم في بناء حياة مستقرة ومنتجة.

وهكذا لم تعد الأزمة تقتصر على جيل واحد، بل امتدت لتشمل ثلاثة أجيال متعاقبة: موظف فقد ثمرة عمره، وشاب فقد فرصة مستقبله، وطفل يواجه خطر فقدان مقومات حياته الكريمة.

إن ما تعيشه اليمن اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية عابرة، بل مأساة إنسانية ووطنية عميقة تتجسد في تآكل رأس المال البشري، وهو الثروة الحقيقية لأي وطن. فالأوطان يمكن أن تعيد بناء الطرق والجسور والمؤسسات، لكن تعويض الإنسان الذي ضاع عمره أو فُقدت فرصه أو تبددت أحلامه يبقى المهمة الأصعب والأكثر تعقيدًا.

ولهذا فإن إنقاذ الإنسان اليمني، واستعادة كرامته وحقوقه وفرصه في الحياة والعمل والتعليم، يجب أن يكون في صدارة أي مشروع وطني حقيقي. فالأوطان لا تنهض بالموارد وحدها، بل بأبنائها، وحين يضيع الإنسان تصبح كل الخسائر الأخرى أقل شأنًا.

لقد اختزلت سنوات الحرب والانهيار معنى المأساة اليمنية في عبارة واحدة: ضياع الإنسان قبل ضياع الأرض.

إغلاق