حضارم في ذاكرة الوطن السعودي: من الدولة السعودية الأولى إلى شراكة المستقبل
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
15 يونيو 2026
ليست العلاقة بين حضرموت والمملكة العربية السعودية قصة جوار جغرافي فحسب، ولا صفحة عابرة في سجل السياسة الحديثة، بل هي حكاية جذور ضاربة في عمق التاريخ، نسجتها العقيدة الواحدة، والأنساب المتداخلة، والهجرات المتبادلة، والمصالح المشتركة، حتى أصبحت جزءًا من الذاكرة الجمعية للطرفين.
فحين نتحدث عن حضرموت والمملكة، فإننا لا نتحدث عن حدود رسمتها الخرائط، بل عن امتداد إنساني وثقافي وحضاري تشكّل عبر قرون طويلة، قبل قيام الدول الحديثة، واستمر مع نشأة الدولة السعودية الأولى، وتعزز مع قيام الدولة السعودية الثانية، ثم ازدهر في عهد المملكة العربية السعودية الحديثة بقيادة ملوكها، حتى غدا الحضارم جزءًا أصيلًا من قصة البناء والنهضة السعودية. (Mandumah)
منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى، لم تكن حضرموت بعيدة عن التحولات الكبرى التي شهدتها الجزيرة العربية. فقد شكّلت طرق التجارة والحج والعلم جسورًا دائمة بين وديان حضرموت ومدن نجد والحجاز، وساهم العلماء والتجار الحضارم في نقل المعرفة وتعزيز التواصل بين أطراف الجزيرة العربية. كما لعبت القبائل والعائلات الحضرمية دورًا مهمًا في ترسيخ روابط الأخوة والانتماء المشترك داخل الفضاء العربي والإسلامي. (Mandumah)
ولم تكن الهجرات الحضرمية إلى الحجاز ونجد مجرد انتقال أفراد بحثًا عن الرزق، بل كانت رحلة مشاركة في صناعة المستقبل. فقد حمل الحضارم معهم قيم العمل والانضباط والأمانة وروح المبادرة، وأسهموا في نهضة الاقتصاد السعودي منذ بداياته، وبرزت أسماء عائلات حضرمية أصبحت جزءًا من المشهد الاقتصادي والاجتماعي للمملكة، وأسهمت في بناء مؤسساتها وتنمية مدنها وازدهار قطاعها الخاص. (العربي الجديد)
وفي مكة المكرمة وجدة والمدينة المنورة والرياض والمنطقة الشرقية، لم يكن الحضرمي وافدًا غريبًا، بل كان شريكًا في البناء، ومشاركًا في التنمية، وحاضرًا في التجارة والتعليم والهندسة والطب والعمل الخيري والثقافة والإعلام. لقد اندمج الحضارم في المجتمع السعودي دون أن يفقدوا هويتهم، كما احتضنتهم المملكة دون أن تنظر إليهم إلا بوصفهم امتدادًا طبيعيًا لنسيجها الاجتماعي.
ولعل ما يميز العلاقة السعودية الحضرمية عن غيرها، أنها لم تُبنَ على المصالح المؤقتة، بل على منظومة متكاملة من الروابط الإنسانية والتاريخية والدينية. فالعائلات الممتدة بين حضرموت ومدن المملكة، والمصاهرة، وحركة التجارة، والرحلات العلمية، وذكريات الآباء والأجداد، صنعت جميعها ذاكرة مشتركة لا تستطيع الأحداث العابرة أن تمحوها. (watanksa)
واليوم، وفي ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة عبر رؤية السعودية 2030، تبرز فرصة تاريخية جديدة لتعزيز هذه العلاقة، ليس فقط بوصفها امتدادًا للماضي، بل باعتبارها شراكة للمستقبل.
فحضرموت بما تمتلكه من موقع استراتيجي وثروات طبيعية وإرث حضاري وإنساني، قادرة على أن تكون عمقًا اقتصاديًا وثقافيًا للمملكة، كما تستطيع المملكة بخبراتها وإمكاناتها ورؤيتها التنموية أن تكون شريكًا رئيسيًا في دعم الاستقرار والتنمية وبناء المستقبل.
إن الأجيال الجديدة من الحضارم والسعوديين مطالبة اليوم بإعادة اكتشاف هذه الذاكرة المشتركة، ليس من باب الحنين إلى الماضي، بل من أجل صناعة مستقبل أكثر تكاملًا وازدهارًا. فالأمم التي تعرف جذورها جيدًا، تكون أكثر قدرة على رسم طريقها نحو المستقبل.
لقد أثبت التاريخ أن ما يجمع حضرموت والمملكة العربية السعودية أكبر من أي متغير سياسي، وأعمق من أي ظرف مؤقت، وأرسخ من أي حدود جغرافية.
فحضرموت ليست مجرد جار للمملكة، بل جزء من ذاكرتها الإنسانية، كما أن المملكة ليست مجرد دولة شقيقة في وجدان الحضارم، بل وطن احتضن أبناءهم، وفتح لهم أبواب العلم والعمل والنجاح، فكانوا جزءًا من نهضته، وكان جزءًا من أحلامهم.
وهكذا، ستبقى العلاقة السعودية الحضرمية قصة انتماء متبادل، وذاكرة مشتركة، وشراكة تتجدد مع الزمن، عنوانها الوفاء للماضي، والعمل للحاضر، والطموح لمستقبل أكثر إشراقًا.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






