سنوات الاختبار
بقلم / عبدالله قاسم
السبت 14 يونيو 2026
هذه الغُمّة الطويلة كانت امتحانًا قاسيًا للناس، لكنها في الوقت نفسه كشفت معادنهم على حقيقتها. أخرجت أجمل ما فيهم كما أخرجت أسوأ ما فيهم؛ ذلك أن الشدائد تكشف ما تخفيه الأيام العادية، وتُظهر معادن الناس على حقيقتها.
أما الجانب المضيء، فهو ذلك الصبر الذي لم يكن أحد يتوقعه. من كان يظن أن الموظف يستطيع أن يمضي سنوات وهو يواجه الحياة بلا راتب شهري منتظم؟ ومن كان يتخيل أن المواطن سيحتمل كل هذا القدر من الضيق، ويواصل يومه رغم تراكم الخيبات وتناقص الفرص؟ لقد أثبت الناس قدرة مدهشة على التكيّف والصمود، واستطاعوا أن يصنعوا من القليل ما يعينهم على البقاء، وأن يجدوا في التضامن والتكافل ما يسندهم في مواجهة الأيام الثقيلة.
لكن الوجه الآخر كان مؤلمًا. فبدل أن تجمع المعاناة القلوب، رأيناها أحيانًا تزرع الخلاف حتى داخل البيت الواحد. ورأينا الجشع يطل برأسه في أكثر اللحظات التي كانت تحتاج إلى الرحمة، والطمع يتمدد حيث كان الواجب أن تتسع مساحات العون والمواساة. وبينما كان البعض يخفف عن الناس أوجاعهم، كان آخرون يضيفون إلى تلك الأوجاع أعباء جديدة، ويعمقون الجراح التي أثقلتها السنوات.
وهكذا علمتنا هذه المحنة أن الإنسان لا يتغير في الأزمات بقدر ما ينكشف. فهي لا تصنع النبل ولا تصنع الأنانية، وإنما تمنح كلًّا منهما فرصة للظهور. لذلك سيبقى أجمل ما خرجنا به من هذه السنوات هو ذلك الصبر الاستثنائي الذي أبداه الناس، وسيبقى أكثر ما يؤلمنا أن بعضنا اختار أن يزيد من قسوة الطريق بدل أن يخففها.






