رجل بحجم دولة.. عبدالله بقشان وصناعة المستقبل الحضرمي
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
12 يونيو 2026
في زمن أصبح فيه كثيرون يبحثون عن الكاميرا قبل الإنجاز، وعن التصفيق قبل العمل، وعن الظهور قبل العطاء، يبرز رجال من طراز مختلف؛ رجال يتركون مشاريع تتحدث عنهم، وأجيالاً تشهد لهم، بينما يختارون هم الصمت.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم الشيخ عبدالله أحمد بقشان، ذلك الرجل الذي يمكن وصفه بأنه أحد أهم صُنّاع النهضة التعليمية الحديثة في حضرموت، ليس لأنه شغل منصباً أو رفع شعاراً، بل لأنه آمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأن الاستثمار الحقيقي ليس في الأرض ولا المال، وإنما في العقول.
الكثيرون يعرفون بقشان رجل أعمال ناجحاً، لكن القليل من يدركون أن الرجل كان وراء واحدة من أهم عمليات الاستثمار في الإنسان الحضرمي خلال العقود الماضية. فعندما كان البعض يفكر في المشاريع قصيرة الأجل، كان هو يفكر في صناعة أجيال كاملة من الأطباء والمهندسين والأكاديميين والمتخصصين الذين يحملون اسم حضرموت إلى أرقى جامعات العالم.
لقد أسهم في تأسيس ودعم الثانويات النموذجية في الساحل والوادي، ودعم تعليم الفتيات عبر إنشاء المدارس النموذجية الخاصة بهن، في وقت كان هذا النوع من المشاريع يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى وإيمان عميق بأهمية التعليم في صناعة المستقبل.
لكن الإنجاز الأكبر ربما لم يكن في المباني ولا المؤسسات، بل في مئات البعثات الدراسية التي فتحت أبواب الجامعات العالمية أمام أبناء حضرموت. فكم من طبيب اليوم يعالج المرضى لأنه وجد فرصة تعليمية؟ وكم من مهندس وأكاديمي وباحث أصبح قادراً على خدمة مجتمعه بفضل تلك المنح التي صنعت مستقبله؟
هؤلاء هم الثروة الحقيقية التي تركها بقشان لحضرموت.
وإذا كانت بعض الشخصيات تُقاس بعدد خطاباتها وتصريحاتها، فإن عبدالله بقشان يُقاس بعدد العقول التي ساهم في بنائها، وعدد الأسر التي تغيرت حياتها بسبب التعليم، وعدد المشاريع التي قامت على أكتاف خريجين وجدوا فرصة لم تكن متاحة لغيرهم.
ولعل أجمل ما يميز هذا الرجل أنه لم يجعل من عطائه وسيلة للشهرة. لم نره في سباق الظهور الإعلامي، ولم نسمع عنه حملات ترويجية تمجد إنجازاته. اختار أن يعمل بصمت، وأن يترك للناس حرية الحكم على أثره.
ولهذا فإن الإنصاف يقتضي أن نفرق بين النقد الموضوعي وبين الجحود. فالاختلاف مع أي شخصية أمر طبيعي، لكن تجاهل ما قدمته من خير وعطاء وإنجاز لا يخدم الحقيقة ولا يخدم حضرموت.
إن الأمم لا تنهض بالسياسيين وحدهم، بل ينهض بها أيضاً رجال التعليم والعلم والتنمية، أولئك الذين يصنعون الإنسان القادر على بناء المستقبل. وفي هذا الميدان تحديداً، ترك عبدالله بقشان بصمة يصعب تجاوزها أو إنكارها.
قد يختلف الناس حول الأشخاص، لكنهم نادراً ما يختلفون حول الأثر. وأثر عبدالله بقشان حاضر في المدارس والجامعات والبعثات العلمية والكوادر المؤهلة التي تخدم مجتمعها اليوم.
لهذا سيبقى اسمه مرتبطاً بمرحلة مهمة من مراحل النهوض التعليمي في حضرموت، وسيبقى نموذجاً للرجل الذي آمن بأن أفضل استثمار يمكن أن يقدمه لوطنه هو أن يمنح أبناءه فرصة العلم.
فبعض الرجال يملكون المال، وبعضهم يملكون النفوذ، أما القلة النادرة فتمتلك القدرة على صناعة الإنسان.
وأولئك هم الذين يكتب التاريخ أسماءهم بحروف من أثر لا من ضجيج.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






