تجّار الدين والفساد المقنّع
بقلم | أحمد عبدالقادر بن الشيخ أبوبكر
الخميس 11 يونيو 2026
أرفض الفساد بكل أشكاله؛ لأنه لا يقتصر على هدر المال العام فحسب، بل يسرق وعي الناس، ويشوّه القيم، ويقلب الموازين حتى يصبح الباطل مقبولًا والحق موضع استهداف.
وإذا كان الفساد المالي والإداري خطرًا على مؤسسات الدولة، فإن الأخطر منه ذلك الفساد الذي يتخفّى خلف الشعارات الدينية والأخلاقية، فيستغل ثقة الناس ومشاعرهم وأحيانا جهلهم ليمنح الانحراف غطاءً من الشرعية، ويحوّل الدين من رسالة هداية وإصلاح إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية أو مكاسب ضيقة سواء مادية أومعنوية من مال وحب الوجاهة واشباع عقد النقص أو إذكاء غرور العظمة والتستر بها.
فالفساد ليس صورة واحدة، بل منظومة متشابكة؛ يبدأ عندما تُساوَم المبادئ، ويتجذر عندما تُحرَّف الحقائق، ويتمدد حين تتحول المنابر ووسائل التأثير إلى أدوات للتبرير والتضليل بدلًا من التوعية والإصلاح.
ومن أخطر مظاهره أن يُقدَّم أصحاب المصالح الخاصة في هيئة أوصياء على القيم، وأن تُصوَّر الانتهازية على أنها حكمة، والتبعية العمياء على أنها ولاء، بينما تُحارَب الأصوات الحرة والمستقلة لأنها تكشف الزيف وتفضح التناقضات.
إن المجتمعات لا تتراجع بسبب وجود الفساد فحسب، بل حين ينجح المفسدون في إقناع الناس بأن فسادهم أمر طبيعي لا يمكن تغييره، وأن ممارساتهم حقائق لا يجوز نقدها أو مساءلتها.
ولهذا فإن مواجهة تجّار الدين والفساد المقنّع ليست معركة ضد أشخاص، بل موقف أخلاقي لحماية القيم، وصون الوعي، وترسيخ مبادئ العدالة والنزاهة، وبناء مجتمع يقوم على الحقيقة لا على التجهيل، وعلى المسؤولية لا على التطبيل، وعلى الفكر الحر لا على التبعية العمياء.






