بين رفاهية “الخاص” ومعاناة “الحكومي”: تفقد المسؤولين لمدارس النخبة وإهمال البنية التحتية المتهالكة للمدارس الحكومية
بقلم / سمير قندوس
الاثنين 8 يونيو 2026
في الوقت الذي تدشن فيه السلطات المحلية الامتحانات النهائية للثانوية العامة، وتكتظ وسائل الإعلام بصور المسؤولين وهم يطوفون بين قاعات الاختبارات، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه على الواقع التعليمي: أين يقف التعليم الحكومي من خارطة اهتمامات هؤلاء المسؤولين مقارنة بالتعليم الخاص والنموذجي؟
لقد تحولت زيارات المسؤولين الحكوميين إلى بعض الثانويات النموذجية والخاصة إلى ما يشبه “الاستعراض الإعلامي” في بيئات تعليمية مثالية؛ حيث تتوفر للطلبة والطالبات، وكذا المعلمين والمعلمات، كافة سبل الراحة النفسية والجسدية ففي تلك القاعات، توجد الكراسي المريحة والامياز المرتبة، وتعمل مكيفات الهواء بانتظام، ويُسكب الماء البارد ليروي ظمأ الطلاب في صيف حار، ناهيك عن مرافق الترفيه والراحة ومولدات الكهرباء التي لا تنقطع.
وهذه البيئة المثالية التي يبتسم فيها المسؤولون أمام الكاميرات، ليست هي الواقع الذي يعيشه الغالبية العظمى من أبناء الشعب في المدارس الحكومية العامة.
فبينما تنعم فئة قليلة بالرفاهية من أبناء المسؤولين و الميسورين الدارسين بتلك المدارس ، تعاني المدارس الحكومية – التي يدرس فيها غالبية أبناء الشعب والتي تقع تحت المسؤولية المباشرة لهؤلاء المسؤولين – من إهمال شبه تام، وتحولت قاعاتها إلى بيئات طاردة للتعليم تفتقر لأبسط مقومات الحياة الآدمية
حيث يخوض طلاب المدارس الحكومية امتحانات مصيرية في ظل درجات حرارة مرتفعة جداً، دون وجود تكييف أو حتى مراوح تعمل، مما يسبب ضغطاً نفسياً وجسدياً هائلاً يشتت تركيزهم.
و تعاني الكثير من المدارس من انعدام الكراسي والامياز (الطاولات) الصالحة للاستخدام، حيث يضطر بعض الطلاب للازدحام في مقاعد مكسورة، في بيئة تغيب عنها الصيانة الدورية.
و في حر الصيف الشديد، يفتقر الطلاب لأبسط الحقوق الإنسانية وهو توفر الماء البارد النظيف داخل مرافقهم التعليمية.
إن إهمال المدارس الحكومية والتركيز على تلميع الصورة عبر زيارة المدارس الخاصة والنموذجية يعكس خللاً كبيراً في ترتيب الأولويات فالواجب الأول والمسؤولية القانونية والأخلاقية للمسؤول تفرض عليه الانحياز للطبقة الكادحة وللمدارس العامة التي تستوعب السواد الأعظم من أبناء المجتمع، والعمل على انتشالها من واقعها المزري، بدلاً من الهروب إلى المدارس الجاهزة والمهيأة بأموال الأهالي للاحتفاء بـ “نجاحات وهمية”.
هذا التباين الصارخ يولد شعوراً بالإحباط والطبقية لدى طلاب المدارس الحكومية ومعلميها، الذين يشعرون بأنهم منسيون من خطط التنمية والتطوير، مما يؤثر سلباً على تحصيلهم العلمي وقدرتهم على المنافسة.
إن إصلاح منظومة التعليم لا يبدأ من قص شريط افتتاح مركز امتحاني نموذجي، بل يبدأ من النزول الميداني الحقيقي إلى المدارس المتهالكة في القرى والأحياء الفقيرة، والوقوف على معاناة الطالب الذي يتصبب عرقاً وهو يمسك بقلمه.
فعلى الجهات المعنية والسلطات المحلية أن تدرك أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يوجه لبناء وترميم البنية التحتية للمدارس الحكومية، وتوفير الكهرباء والمياه والكراسي، وإعادة الهيبة للمعلم و المدراس العامة ، حتى يكون التعليم حقاً مكفولاً بالعدل والمسواة للجميع، وليس امتيازاً يقتصر على من يملك ثمنه.






