هندسة الأزمات وتدوير الانشغال الجمعي: قراءة في ديناميات الاستنزاف السياسي وإدارة الوعي في المجتمعات الهشة
تاربة ــ اليوم /كتابات واراء
بقلم: البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ
7 يونيو 2026م
ليست الأزمات في التاريخ السياسي مجرد أحداث عابرة تنشأ بفعل الصدفة أو نتيجة اختلالات فنية وإدارية مؤقتة، بل كثيرًا ما تتحول إلى ظاهرة بنيوية متكررة تعيد تشكيل علاقة المجتمع بالدولة، وتعيد رسم حدود الممكن والمستحيل في وعي المواطنين. وحين تتراكم الأزمات في الماء، والكهرباء، والطاقة بصورة عامة، والتعليم، والرواتب، والصحية، والخدمات الأساسية بصورة دراماتيكية متواصلة، فإن السؤال العلمي لا يتوقف عند أسباب الأزمة ذاتها، بل يمتد إلى فهم وظيفة الأزمة داخل البنية السياسية والاجتماعية الأوسع.
وفي كثير من المجتمعات التي تعاني هشاشة مؤسساتية مزمنة، لا تعود الأزمة مجرد خلل ينبغي معالجته، بل تتحول إلى حالة دائمة يعاد إنتاجها بأشكال مختلفة، بحيث يغدو المجتمع أسيرًا لدائرة لا تنتهي من الاحتياجات الملحة والانشغالات اليومية. وهنا يصبح الزمن السياسي زمنًا للأزمات المتلاحقة، لا زمنًا للتنمية والاستقرار والبناء.
ومن الملاحظ أن بعض البيئات السياسية تعيش نمطًا متكررًا من الانتقال السريع بين الأزمات؛ فما إن يبدأ الناس في استيعاب أزمة معينة والتكيف معها حتى تبرز أزمة جديدة أكثر إلحاحًا وضغطًا، فتنتقل بؤرة الاهتمام الشعبي إليها مباشرة، وكأن هناك قوة خفية تدفع المجتمع باستمرار نحو حالة من الانشغال الدائم والاستنفار المتواصل.
وقد تناول عدد من منظري السياسة والاجتماع هذه الظواهر من زوايا متعددة؛ إذ ربط بعضهم بين إدارة الأزمات وإعادة تشكيل المجال العام، بينما درس آخرون أثر الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في إعادة توجيه السلوك السياسي للمجتمعات، الأمر الذي جعل الأزمة أداة تحليلية مهمة لفهم أنماط السلطة والعلاقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، وكيفية تشكل الأولويات العامة في البيئات الهشة والمتغيرة.
هذه الظاهرة ليست جديدة في الأدبيات السياسية، إذ تناولتها مدارس متعددة تحت مسميات مختلفة، من بينها إدارة التوترات الاجتماعية، وتوجيه الانتباه العام، وصناعة الأولويات القسرية، وهي مفاهيم تشير جميعها إلى قدرة بعض النظم أو القوى النافذة على التحكم النسبي في المجال العام من خلال إعادة ترتيب ما يشغل الناس وما يستهلك طاقتهم الذهنية والنفسية.
وتكشف تجارب تاريخية متعددة في مناطق مختلفة من العالم أن المجتمعات التي تعرضت لأزمات اقتصادية وخدمية مزمنة شهدت في كثير من الأحيان تراجعًا في مستويات المشاركة العامة، وانشغالًا متزايدًا بالضرورات المعيشية على حساب الانخراط في القضايا الاستراتيجية طويلة المدى. وقد دفع ذلك العديد من الباحثين إلى دراسة العلاقة بين الأزمات المتكررة ومستويات الفاعلية السياسية والاجتماعية للمواطنين، بوصفها أحد المؤشرات المهمة على طبيعة العلاقة بين الاستقرار المؤسسي والقدرة المجتمعية على التكيف والبناء.
وحين تتعطل الكهرباء، ويشح الماء، وتتراجع الخدمات الصحية، وتنعدم الرواتب، وينهار التعليم، وتضطرب إمدادات الوقود والغاز، فإن المواطن يجد نفسه مضطرًا إلى توجيه معظم جهده نحو البحث عن الحد الأدنى من متطلبات الحياة اليومية. وفي هذه اللحظة يتراجع التفكير في القضايا الكبرى لصالح البحث عن الحلول الآنية والضرورات المعيشية المباشرة.
ويشير علم السياسة إلى أن الإنسان المحاصر بالحاجات الأساسية يصبح أقل قدرة على الانخراط في التفكير الاستراتيجي طويل المدى، لأن الضغوط المعيشية تستنزف الجزء الأكبر من طاقته الذهنية والنفسية. ولذلك فإن المجتمعات المرهقة بالأزمات المتكررة غالبًا ما تجد نفسها منشغلة بإدارة البقاء أكثر من انشغالها بإدارة المستقبل.
ومن هنا تتشكل إحدى أخطر نتائج الأزمات المتوالية، وهي تحويل المجال العام من فضاء للنقاش حول السياسات والرؤى والبرامج إلى فضاء للشكوى اليومية والبحث عن الاحتياجات الضرورية. وعندما يحدث ذلك باستمرار، فإن النقاشات الكبرى تتراجع إلى الهامش بينما تتصدر التفاصيل المعيشية واجهة المشهد.
واللافت للنظر أن الأزمات المتراكمة لا تستهلك الموارد الاقتصادية فحسب، بل تستهلك كذلك الوعي الجمعي ذاته. فالمواطن الذي ينتقل يوميًا بين أزمة وأخرى يصبح أقل قدرة على الربط بين الأسباب والنتائج، وأكثر ميلًا إلى التعامل مع كل أزمة باعتبارها حدثًا منفصلًا عن بقية الأحداث.
وهنا تظهر ظاهرة التفتيت الإدراكي، حيث يفقد المجتمع رؤيته الكلية للمشهد، ويتحول إلى مجموعات منشغلة بقضايا جزئية ومتفرقة، الأمر الذي يضعف من قدرته على إنتاج مطالب جامعة أو رؤى استراتيجية شاملة.
وقد لاحظ العديد من الباحثين أن المجتمعات التي تعيش تحت ضغط الأزمات المتعددة تصبح أكثر عرضة للاستقطاب والتنازع الداخلي، لأن الموارد المحدودة تخلق منافسات حادة بين الأفراد والفئات المختلفة، فينشغل الناس ببعضهم البعض أكثر من انشغالهم بالبنى التي أنتجت الأزمة أو ساهمت في استمرارها.
وفي هذه البيئة المضطربة يبرز دور أصحاب النفوذ والقوة والامتيازات، الذين يمتلكون القدرة على تجاوز آثار الأزمات أو الاستفادة منها بصورة أو بأخرى، بينما يتحمل المواطن العادي الجزء الأكبر من كلفة الاختلالات المتراكمة.
ومع مرور الوقت تنشأ فجوة متزايدة بين الفئات القادرة على التكيف مع الأزمات والفئات العاجزة عن ذلك، الأمر الذي يؤدي إلى إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية والاقتصادية وفق معايير القوة والنفوذ، وليس وفق معايير العدالة والكفاءة.
ومن أخطر ما تخلقه هذه الحالة هو شعور العجز الجماعي، حيث يبدأ المواطن في الاعتقاد بأن الأزمات قدر محتوم لا يمكن تغييره، وأن التدهور المستمر يمثل طبيعة الأشياء وليس انحرافًا عنها. وعندما يترسخ هذا الشعور يصبح إصلاح الواقع أكثر صعوبة من إصلاح المؤسسات نفسها.
وتشير دراسات علم النفس السياسي إلى أن تكرار الضغوط لفترات طويلة قد يؤدي إلى ما يسمى بالتكيف القسري مع الاختلالات، حيث يعتاد الناس أوضاعًا كانوا يرفضونها سابقًا، وتصبح المعاناة اليومية جزءًا من المشهد المألوف.
وفي مثل هذه البيئات تتراجع المعايير تدريجيًا؛ فما كان يُعد أزمة كبرى بالأمس يصبح وضعًا طبيعيًا اليوم، وما كان يُعتبر إخفاقًا جسيمًا يتحول إلى مجرد تفصيل عادي في الحياة العامة.
ولذلك فإن أخطر ما تفعله الأزمات المزمنة ليس ما تلحقه بالبنية التحتية أو الاقتصاد، بل ما تحدثه في الوعي الجمعي من إعادة تعريف للواقع والمعقول والمقبول.
ومن زاوية أخرى، فإن تتابع الأزمات يؤدي إلى استنزاف الطاقات المجتمعية المنظمة. فبدلًا من توجيه الجهود نحو البناء المؤسسي والتنمية والإصلاح، يتم استهلاك معظم الموارد البشرية والاجتماعية في مواجهة التحديات اليومية المتلاحقة.
ويؤدي هذا الاستنزاف إلى إضعاف المبادرات المجتمعية طويلة المدى، لأن الأولويات العاجلة تطغى باستمرار على المشاريع الاستراتيجية. وهكذا يجد المجتمع نفسه يدور في حلقة مفرغة من الاستجابة للأزمات بدلًا من تجاوزها.
ومن الناحية السياسية، تمثل الأزمات المتكررة بيئة مثالية لهيمنة الخطاب الانفعالي على حساب الخطاب العقلاني. فحين ترتفع مستويات التوتر والقلق يصبح المجال العام أكثر قابلية للشعارات وأقل قابلية للنقاشات الرصينة والمعالجات المؤسسية.
كما أن كثافة الأحداث اليومية تجعل الذاكرة السياسية قصيرة الأجل، بحيث تتراجع القضايا السابقة بسرعة لتحل محلها قضايا جديدة، الأمر الذي يمنح المشهد العام طابعًا دائريًا لا يكاد يعرف الاستقرار.
ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول بعض المجتمعات إلى ساحات للانشغال المستمر دون أن تحقق تقدمًا ملموسًا في معالجة جذور المشكلات. فالأزمات تتغير، لكن البنية المنتجة للأزمات تبقى في كثير من الأحيان على حالها.
ويؤكد منظور بناء المؤسسات أن استدامة الأزمات لا ترتبط بحجم الموارد المتاحة فحسب، بل ترتبط كذلك بمدى كفاءة المؤسسات العامة وقدرتها على التخطيط والتنسيق والمساءلة والاستجابة الفاعلة للتحديات. فالمؤسسات القوية لا تمنع وقوع الأزمات دائمًا، لأن الأزمات جزء من طبيعة الحياة السياسية والاقتصادية، لكنها تحد من تحولها إلى ظواهر مزمنة يعاد إنتاجها بصورة دورية، وتوفر في الوقت ذاته آليات أكثر قدرة على الاحتواء والتعافي واستعادة التوازن.
إن المجتمع الذي يركض يوميًا خلف احتياجاته الأساسية يجد صعوبة في التفرغ للتفكير في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحكم الرشيد والتنمية والعدالة المؤسسية ومستقبل الدولة والمجتمع.
ولذلك فإن الوعي بطبيعة الأزمات وآليات إنتاجها وإعادة إنتاجها يمثل خطوة ضرورية لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. فالمعركة الحقيقية ليست دائمًا في مواجهة الأزمة الظاهرة، بل في فهم السياق الذي يسمح باستمرارها وتكرارها.
ولا يعني ذلك الوقوع في التفسيرات التبسيطية أو نظريات المؤامرة، بل يستدعي قراءة علمية هادئة للعلاقات المعقدة بين السلطة والموارد والمؤسسات والمجتمع، وفهم كيفية تفاعل هذه العناصر في إنتاج الاستقرار أو إنتاج الاضطراب.
إن المجتمعات القوية ليست تلك التي تخلو من الأزمات، فالأزمات جزء من طبيعة الحياة السياسية والاقتصادية، وإنما هي المجتمعات التي تمتلك مؤسسات قادرة على منع تحول الأزمات المؤقتة إلى نمط دائم من الوجود.
وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي الأكبر أمام أي مجتمع هو الحفاظ على قدرته على رؤية الصورة الكلية وسط ضجيج التفاصيل اليومية، وعلى التمييز بين الحدث العابر والبنية العميقة، وبين المشكلة الظاهرة والمسار الذي ينتجها.
فالأزمة لا تصبح خطرًا وجوديًا حين تقع فحسب، وإنما حين تتحول إلى إطار ذهني دائم يقاس من خلاله الواقع، وتصاغ على أساسه التوقعات المستقبلية، ويعاد تعريف الممكن والمأمول في حياة الأفراد والجماعات. وعند هذه النقطة لا تقتصر آثار الأزمة على المجالين الاقتصادي والخدمي، بل تمتد إلى تشكيل الثقافة السياسية ذاتها وإعادة إنتاج أنماط من التفكير والتكيف قد تستمر آثارها لأجيال متعاقبة.
فهناك لحظات تاريخية لا يكون فيها أخطر ما يواجه الناس هو الأزمة نفسها، بل الاعتياد عليها، لأن الأمم لا تتعثر حين تشتد عليها المحن فحسب، وإنما قد تتعثر أيضًا حين تتصالح مع استمرارها وتفقد القدرة على تخيل بديل أفضل ومستقبل أكثر اتزانًا واستقرارًا.
ربِّ زدني علمًا نافعًا، وفهمًا راجحًا، وبصيرةً نافذة، ووفقني لقول الحق والعمل به، وارزقني صحبة الصالحين في الدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين.






