اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

عبد الرحيم القحم العمودي: فارس المدارة ومهندس الحداثة في الشعر الحضرمي

عبد الرحيم القحم العمودي: فارس المدارة ومهندس الحداثة في الشعر الحضرمي

بقلم | د. هادي سعيد بارفعة
الاربعاء 3 يونيو 2026

في حضرموت، تلك الأرض التي تنبتُ القوافي كما تنبتُ النخيل، يبرز اسم الشاعر الأستاذ عبد الرحيم محمد القحم العمودي كعلامةٍ فارقة، لا لكونه شاعراً فحسب، بل بصفته “رائد التغيير” الذي حمل على عاتقه لواء الارتقاء بالشعر الشعبي، ناقلاً إياه من زوايا التقليد إلى رحاب الكلاسيكية الراقية.
ولأن لكل إبداعٍ جغرافيا تحميه وتغذيه، فإن جذور شاعرنا تضرب عميقاً في تراب “وادي عَمْد” العريق، وتحديداً في منطقة “الشعبة”؛ تلك البقعة الساحرة التي استلهم منها الشاعر صلابة جبالها وصفاء وديانها، فصاغ من مفردات بيئته الأصيلة لوحاتٍ شعرية تنبض بالحياة، ليكون خير سفيرٍ لبلدته ولحضرموت عامة.
لم يكن نبوغ “أبو محمد” وليد الصدفة، بل هو نتاجُ غرسٍ شعريٍّ أصيل؛ فقد نشأ في كنف أسرةٍ عُجنت بماء القصيد في موطنه، فكان والده -رحمه الله- منارةً له، ليتجاوز الأستاذ عبد الرحيم حدود الوراثة إلى حدود الإبداع الفردي المتفرد. هو اليوم يتصدر المشهد ليس في حضرموت فحسب، بل على امتداد خارطة الإبداع اليمني، بفضل ثقافةٍ أكاديميةٍ صقلها في جامعة عدن، وموهبةٍ فذة طوّع بها الحرف والكلمة.
يتميز شعر العمودي بتركيبةٍ فريدة؛ فهو يحتفظ بجوهر “اللفظ الحضرمي” الرصين، لكنه يلبسه ثوباً كلاسيكياً يفيضُ عذوبةً وحداثة. صوره الجمالية ليست مجرد زينة، بل هي فلسفةٌ بصرية تُبنى ببراعة، مسنودةً ببديهةٍ حاضرة تجعل منه خصماً لا يُشق له غبار في ميادين “المدارة”.
إن بصمة ابن “الشعبة” الأستاذ عبد الرحيم لا تقتصر على القصيدة، بل تمتد إلى العمل المؤسسي للنهوض بالأدب الشعبي. فهو صاحب فكرة “مسابقة حضرموت للشعر الشعبي في نسختها الأولى”، ذلك المشروع الذي كان بمثابة “مختبرٍ للمبدعين”، حيث قاد لجنة تحكيمها برفقة نخبة من الأكاديميين والشعراء، ليضخ دماءً جديدة في عروق الساحة الشعرية، ويخرج جيلاً من الشعراء ساروا على هدى منهجه الرصين.
بعيداً عن القافية، يتجسد في شخصيته “الشاعر المحارب”؛ فهو صاحب شكيمةٍ قوية، وعزيمةٍ لا تلين. يذود عن حياض تراثه وأرضه بلسانٍ أمضى من السيف، وعشقٍ لحضرموت يتجاوز الكلمات ليصبح عملاً وعطاءً مستمراً.
إن الشاعر عبد الرحيم محمد القحم العمودي هو جسرُ التواصل بين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل، وحارس إرث “وادي عمد” النابض. استحق بجداره لقب “فارس المدارة”، وسيظل صوته صدىً لجمال حضرموت وعنفوانها.

إغلاق