حضرموت ليست الصراف الآلي لفسادكم.. ارفعوا أيديكم عن نفطنا!
بقلم / خالد الصيعري
الأربعاء، 3 يونيو 2026
من المضحك المبكي في بورصة “التباكي السياسي” المنتشرة هذه الأيام على وسائل التواصل الاجتماعي أن ترى بعض الأقلام المحسوبة على العاصمة المؤقتة عدن وقد تحولت فجأة إلى وعاظ في الوطنية والإنسانية ومحققين جنائيين يوجهون أصابع الاتهام صوب المكلا! لستُ هنا بصدد الدفاع عن شخص المحافظ كمسؤول سياسي فالمناصب تزول والرجال يتغيرون لكني هنا لأدافع عن منطق يرفض العقل السوي أن يراه يُذبح على مقصلة الابتزاز الإقليمي والسياسي.
لقد خرج علينا هؤلاء الكتاب بـ “معزوفة” مشروخة، تضع كل أوزار وكوارث قطاع الكهرباء في عدن على شماعة الديزل والنفط الخام القادم من حقول “بترومسيلة” في حضرموت. وكأن حضرموت باتت في نظرهم مجرد “محطة وقود مجانية” أو “بقرة حلوب” ليس لها شعب يعاني، ولا أطفال يتلوون من رطوبة وحرارة الصيف الحارق الذي يضرب الساحل والوادي بلا رحمة!
دعونا نتحدث بلغة الأرقام والواقع العاري من رتوش الدبلوماسية: عندما يتحدث محافظ حضرموت في “البودكاست” الأخير عن أزمة الطاقة وعن المخصصات فهو لا يمنّ على أحد بل يصف واقعاً مشوهاً عجيب أمر هؤلاء الانتقاديين يصرخون لأن كهرباء عدن تنقطع ويتناسون بغباء أو بتغابي أن المواطن الحضرمي يعيش في ظلام دامس لأكثر من 16 ساعة يومياً لماذا؟ لأن كمية الديزل المخصصة لأهل الأرض لا تكفي لتشغيل مولداتهم لأكثر من ثماني ساعات. فبأي شرع وبأي قانون ثروات في العالم يُطلب من صاحب الدار أن يموت عرياناً ليرتدي الآخرون الحرير؟
هناك مفارقة صارخة وسلوك وثقافة مجتمعية تفصل بين واقعين. في حضرموت ورغم المعاناة ورغم جحيم الانقطاعات ورغم الفقر والغلاء تجد المواطن الحضرمي يذهب طواعية وبوعي مدني فريد ليسدد فاتورة استهلاك الكهرباء أولاً بأول. إنه يدفع قيمة الخدمة لأنه يؤمن بدولة النظام والقانون وبأن الحقوق تقابلها واجبات.
وفي المقابل يسوقنا السؤال الصادم واللاذع في وجه منتقدي عدن هل تسددون فواتير استهلاك الكهرباء في بيوتكم ومؤسساتكم؟
الإجابة المخزية التي يعرفها الجميع هي “لا” عريضة
إذن، كيف تجرؤ قلم وفكر يستهلك الطاقة بالمجان ولا يقدم لخزينة الدولة فلساً واحداً أن يتطاول على المحافظة التي تغذي الشبكة بدمائها وثرواتها وتلتزم بالنظام؟
ثم لنكشف العورة السياسية لهذا الهجوم لماذا حضرموت وحدهم من يُطالبون بتقديم القرابين؟
أين نفط شبوة؟ وأين غاز ونفط مأرب؟ لماذا تُركت حضرموت وحيدة في واجهة المدفع لامتصاص غضب الشارع في عدن؟
الحقيقة واضحة والمخطط أرسخ من تفاصيل الأزمة هناك رغبة دفينة في إبقاء حضرموت تحت الوصاية. لم يأتِ من صوب تلك القوى عبر التاريخ القريب إلا الحملات العسكرية ومحاولات كسر الإرادة الحضرمية والتنكيل برجالها ونخبها. واليوم يريدون النفط بالمجان والكرامة بالتقسيط
إن أي مسؤول يملك ذرة من الكرامة والمسؤولية تجاه شعبه لو كان في موقع المحافظ لاتخذ قراراً فورياً بإغلاق المحابس وقفل الأنبوب. النفط والديزل مقابل المال أو مقابل التنمية المحلية. انتهى زمن “الفيد” المفتوح وانتهى العهد الذي تُساق فيه ثروات حضرموت لإرضاء نخب غارقة في الصراعات والفساد في عدن
لكن القصة ليست قصة ديزل بل هي عقدة تاريخية متأصلة منذ عام 1967 يوم أن رُبطت حضرموت قسراً بمشاريع القوميين العرب الذين أوردوها المهالك، مروراً بوحل وحدة عام 1990 التي دمرت الأخضر واليابس. أولئك الذين اعتادوا على فرض السيطرة والهيمنة على مقدرات الحضارم منذ الاستقلال وحتى اليوم لم يستوعبوا بعد أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأن حضرموت اليوم ليست أرضاً بلا شعب وثرواتها ليست مشاعاً لمن هب ودب.
المحافظ الحالي وبكل تجرد رجل دولة يقع بين مطرقة ضغوطات هائلة من رئيس مجلس القيادة الرئاسي العليمي وسندان شعب حضرمي غاضب وصل إلى مرحلة “بلغ السيل فيها الزبى”. ورغم ذلك تصرف بعقلانية مفرطة فلو كان رجلاً طائشاً لما أرسل حتى الستة مليارات ريال من إيرادات كهرباء حضرموت إلى الوزير في عدن بينما شعبه يتلوى من الحر. لكن يبدو أن العقلانية في هذا الزمن تُفسر على أنها ضعف
أهل عدن هم إخوتنا وشعب طيب ومظلوم لكن علتهم الحقيقية ليست في حضرموت علتهم في “الدخلاء” والعابثين بقرارهم وفي قادتهم الفاسدين الذين يديرون صراعات النفوذ والمليارات ثم يوجهون ذبابهم الإلكتروني لتحريض الشارع العدني ضد إخوانهم الحضارم.
ونقول الى كل قلم مأجور وإلى كل منتقد أعمى ركب موجة التحريض ضد حضرموت ومحافظها
وفروا حبركم المسموم واغسلوا وجوهكم من خجل التباكي
فالحضارم ليسوا مغفلين لتستمروا في بيعهم شعارات الأخوة والشراكة بينما تسرقون ضوء عيونهم لتنيروا به قصور فسادكم وفوضاكم.
إن عتابنا عليكم ليس عتاب ضعف بل هو عتاب القوي الذي يرى عيبكم ويترفع عنه.
إن كنتوا تريدون طاقة فاذهبوا وسددوا فاتورتكم أولاً وحاسبوا لصوص أموالكم وقادتكم الذين يتاجرون بمعاناتكم بدلاً من التطاول على أسياد الأرض والثروة.
لقد مضى زمن الوصاية وقُطعت حبال الصبر وإن غداً لناظره قريب.. والبادئ أظلم






