الشرطة البريطانية و”الجنبية” اليمنية.. بين احترام القانون والحفاظ على الهوية الثقافية
تقرير : محمد ناصر عجلان
أثارت حادثة توقيف شابين يمنيين في مدينة مانشستر البريطانية خلال احتفالات عيد الأضحى موجة واسعة من الجدل والنقاش على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أظهر مقطع فيديو متداول تدخل الشرطة البريطانية على خلفية ارتدائهما “الجنبية” اليمنية، التي تُعد أحد أبرز رموز التراث والهوية الثقافية في اليمن.
وسرعان ما انقسمت الآراء حول الواقعة بين من رأى أن الالتزام بالقوانين المحلية في بلد الإقامة يجب أن يكون فوق أي اعتبار، خصوصاً في ظل التشريعات البريطانية الصارمة المتعلقة بحمل الأدوات الحادة والأسلحة البيضاء، وبين من اعتبر أن الجنبية ليست مجرد أداة تُحمل، بل رمز ثقافي واجتماعي متجذر في الوجدان اليمني، وأن ارتداءها في المناسبات والأعياد يندرج ضمن إطار التعبير المشروع عن الهوية والانتماء الثقافي.
لكن ما لفت الانتباه في هذه القضية هو أن الرواية المتداولة في البداية لم تكن مكتملة. فمع تصاعد الجدل، خرج أحد الشابين موضحاً تفاصيل الواقعة، مؤكداً أنه تواصل مسبقاً مع الشرطة البريطانية للاستفسار عن إمكانية ارتداء الجنبية خلال احتفالات العيد، وأنه تلقى تأكيداً بعدم وجود مانع قانوني من ارتدائها باعتبارها جزءاً من الموروث الثقافي.
وبحسب إفادته، فإن سبب التوقيف لم يكن ارتداء الجنبية بحد ذاته، وإنما تلقي الشرطة عدة بلاغات من مواطنين أفادوا بأن الشابين قاما بإشهار الخناجر في مكان عام. وهي ادعاءات نفى الشاب صحتها بشكل قاطع، مؤكداً أن الجنبية ظلت داخل غمدها طوال الوقت، وأن كاميرات المراقبة كفيلة بإثبات ذلك.
وتعكس هذه الحادثة جانباً مهماً من التحديات التي تواجه الجاليات العربية والإسلامية في المجتمعات الغربية، حيث قد تؤدي الفجوة الثقافية أو ضعف المعرفة بالرموز التراثية لبعض الشعوب إلى سوء فهم أو تفسير خاطئ لبعض المظاهر الثقافية التقليدية.
وفي الوقت ذاته، تؤكد الواقعة أهمية التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية واحترام الأنظمة والقوانين السارية في البلدان المضيفة، وهو توازن ضروري لضمان اندماج إيجابي يحفظ الخصوصية الثقافية ويعزز في الوقت نفسه قيم المواطنة واحترام القانون.
اللافت في نهاية المطاف أن السلطات البريطانية، وفقاً لما أكده الشاب، أنهت إجراءات التحقيق الأولية دون تسجيل أي مخالفة بحقه، وأبلغته رسمياً بإغلاق القضية وعدم وجود أي تبعات قانونية، وهو ما يشير إلى أن تعامل الشرطة جاء في إطار الاستجابة للبلاغات والتحقق من الوقائع، وليس استهدافاً للهوية الثقافية أو المظاهر التراثية اليمنية.
تبقى هذه الواقعة درساً مهماً في ضرورة التحقق من المعلومات قبل إصدار الأحكام أو تبني الروايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، كما تبرز أهمية الحوار والتفاهم الثقافي في المجتمعات متعددة الأعراق والثقافات، حيث يصبح الوعي المتبادل عاملاً أساسياً لتجنب سوء الفهم وبناء جسور الاحترام بين مختلف المكونات الاجتماعية.






