امتلأت المساجد بالمصلين… وقلوبهم على نعالهم !
تاربة_اايوم/ كتابات وآراء
كتب / أ : صالح باغزال
30مايو2026م
أمس ومع أذان المغرب، كنت في تريم، مدينة العلم والحضارة. دخلت المسجد فسرّني ما رأيت؛ ازدحامًا عند أماكن الوضوء، وصفوفًا تكاد تكتمل، ومشهدًا يبعث على الأمل بأن الخير ما زال حاضرًا في الناس، وأن بيوت الله ما زالت عامرة بالمصلين.
صلّينا تحية المسجد، ثم أُقيمت الصلاة، وتقدّم الإمام. توقعت، كما جرت العادة، أن أسمعه يقول: “استووا، اعتدلوا، تراصّوا”، لكنه وجّه تنبيهًا لافتًا للمصلين قائلاً: “من كانت نعاله جديدة أو ثمينة فليضعها أمامه، فهناك من يسرق الأحذية أثناء الصلاة!”
توقفت عند هذه العبارة كثيرًا…
هل وصل بنا الحال إلى أن يخشى الإنسان على نعليه وهو واقف بين يدي الله؟ وهل بلغ التراجع الأخلاقي هذا الحد؟ وأي ضمير يقبل أن يستغل خشوع المصلين وانشغالهم بالصلاة ليمد يده إلى ما ليس له؟
المؤلم أن مثل هذه الظواهر لم تكن مألوفة في مجتمعنا قبل سنوات. لم نكن نسمع عن سرقة النعال من المساجد، ولم يكن الإمام بحاجة إلى تحذير المصلين من اللصوص داخل بيوت الله. كما لم يكن القات قد استنزف هذا القدر من أوقات الناس وأموالهم وطاقاتهم الإنتاجية كما نراه اليوم.
إن المشكلة ليست في قيمة النعال المسروقة، بل في القيم التي تتآكل، وفي الأمانة التي تتراجع، وفي الضمير الذي يغيب. فالدين ليس صلاةً وصيامًا فحسب، بل أخلاقٌ وأمانةٌ وصدقٌ ومراقبةٌ لله في السر والعلن.
ولهذا يتساءل كثير من الناس اليوم: ماذا جنى المواطن من واقعٍ تتراجع فيه القيم، ويضعف فيه النظام، وتغيب فيه هيبة القانون؟ فالأوطان لا تُقاس بالشعارات والخطابات، وإنما تُقاس بالأمن والعدل، وحفظ الحقوق، وصيانة كرامة الإنسان.
ومن هنا تبقى آمال الكثيرين معلقة بقيام دولة النظام والقانون والمؤسسات، الدولة التي يأمن فيها الإنسان على دينه وماله وحقوقه، وتُصان فيها الكرامة، وتُحترم فيها القيم، ويُحاسَب فيها المسيء، وتُقدَّم فيها مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.
إن إصلاح الأوطان يبدأ بإصلاح الإنسان، وإصلاح الإنسان يبدأ بالخوف من الله، واحترام حقوق الآخرين، وتربية الأبناء على الأمانة والصدق، ومعرفة الحلال والحرام، وتعظيم حقوق الناس وممتلكاتهم.
اللهم أصلح أحوالنا، وأحيِ الضمائر، وأعد إلى مجتمعاتنا قيمها وأخلاقها الأصيلة، واجعل بيوتك عامرةً بالمصلين والخشوع والأمان، لا بالخوف على النعال والممتلكات.
حفظ الله حضرموت والجنوب، وألهم أبناءه طريق الخير والإصلاح.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






