اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

في غيابِ المنارة.. وبقاءِ الأثر

في غيابِ المنارة.. وبقاءِ الأثر

رثاءٌ ووفاء لرحيل الوالد العلامة القاضي علي بن محمد زاكن باحنان (رحمه الله)

كتب نجله / انس علي باحنان

“إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ”
رسول الله ﷺ
في مثل هذا اليوم المبارك، الثالثِ من أيام التشريق الطاهرة، تشرق على الروح ذكرى حزينة، تمتزج فيها غُصّة الفقد بمرارة ما مضى من اليُتم، وتلتحف برضا يقيني بقضاء الله وقدره. إنها ذكرى رحيل والدي ومربيي، نبراس العلم والهدى، العلامة القاضي والدي علي بن محمد زاكن باحنان (رحمه الله رحمة الأبرار)، الذي غادر دنيانا في عام 1391هـ بمدينة القاهرة، ليوارى جثمانه الطاهر ثرى “المقطم”، تاركاً خلفه فراغاً لا يسدّه إلا إرثه العلمي العظيم.
رحل الوالد وأنا لم أزل طفلاً غضاً لا يتجاوز **عمري الثانية من السنين **.. رحل قبل أن ترتوي عيناي من النظر إلى وجهه المهيب، وقبل أن تشبع أذناي من نبرات صوته الواعظ، كما أنني لم أتكئ على كتفه في صغري، لكنني حين كبِرت، وجدته حياً في سطور مصنفاته، عشت بين أحضان فكره وكتبه ومذكراته، ونهلت من نمير علمه، فكان لي -رغم الغياب- الوالد والمربي، والمشعل الذي أضاء ظلمات طريقي، والمنارة التي اهتديت بها في دروب العلم والحياة.

محطات في رحلة البذل والعطاء

لقد كان الوالد -رحمه الله- أمةً في رجل، أفنى عمره في محراب الشرع والدعوة، متنقلاً كالغيث أينما وقع نفع:

  • قاضي تريم بحضرموت: تلك المدينة السامقة بالعلم والعلماء، شَهِدَت له محراباً ومنبراً، فكان فيها مثالاً للقاضي العادل الذي يهابه الظالم، والخطيب المؤثر الذي تلين لوعظه القلوب، والأستاذ المربي الذي يجمع بين هيبة العلماء وتواضع الأتقياء.
  • صوت الوعظ والإرشاد: لم يسكن يوماً عن بثّ الوعظ، فكان يتنقل بين بيوت الله، حاملاً الحكمة والموعظة الحسنة. وفي سبعينيات القرن الماضي، كان صوته يتردد عبر أثير إذاعة عدن في برنامج “فتية الإسلام”، ليبني عقول الشباب ويثبت وجدانهم على قيم الدين الحنيف.
  • سفير الإسلام في إفريقيا: لم تحده جغرافيا، فحمل همّ الدين إلى أدغال إفريقيا، رحل إلى أوغندا وتنزانيا ونيروبي داعياً ومعلماً، وهناك أسس مع إخوانه المهاجرين “مدرسة التقوى الإسلامية”، فكان سبباً في هداية الجموع، ودخول خلقٍ كثير في دين الله.

الإرث العلمي الخالد

ترك الوالد ثروة علمية زاخرة، تقف اليوم شاهداً على رسوخ قدمه، وسعة استنباطه، وعلو كعبه في شتى العلوم، وعلى رأسها:
| اسم المؤلف العظيم | حجم الأثر والوصف ** «نيل المقصود شرح سنن أبي داود»** | موسوعة حديثية وفقهية كبرى تقع في تسعة عشر مجلداً، جمعت بين الأصالة والتجديد، وأبرزت مرونة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان. |
| مصنفات في علوم شتى | مخطوطات ومؤلفات متنوعة في الفقه، والدعوة، والتربية.

مناجاة ودعاء

إن حق الوالد عليّ لعظيم، وإن الشوق في الصدر لأليم، ولا أملك في هذه الذكرى الندية إلا أن أرفع أكف الضراعة إلى كرم الله وجامع رحمته، فأقول:
“ربِّ ارحمه كما ربّاني صغيراً، واجزه عنّي وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واجمعه بالنبيين والصديقين والشهداء وحسُن أولئك رفيقاً.”

وأملي الكبير..
أن يهيئ الله لهذا التراث العلمي الجليل (وفي مقدمته “نيل المقصود”) أيدٍ أمينة خيرة، وعقولاً واعية تقوم على تحقيقه وطباعته ونشره، ليعم نفعه الأمة في مشارق الأرض ومغاربها، وليبقى علمه صدقة جارية، ونوراً متصلاً يرفع درجاته في عليين.
نم قرير العين يا والدي.. فما غاب من ترك وراءه علماً يُنتفع به، وولداً يلهج بالدعاء له في كل حين.
رحمك الله يا أبتِ، وإنا انشاء الله على العهد والوفاء لباقون.

إغلاق