طــابــور!
بقلم / جابر عبدالله الجريدي
الجمعة 29 مــايو 2026
شدَّني موقف أو منشور وقفت عليه لأحد الأخوة في منصة فيسبوك كان يتحدث فيه على أنَّ الناس بأيام العيد داخل حضرموت كأنهم في حالة إضطراب نفسي حيث أنه لم تُبان له حالة فرح الناس بالعيد وهو رجل مغترب معبراً عن ذلك عن حالة اعتياده في مواقع التواصل الإجتماعي تجد الناس متفاعلة خلال أيام العيد بنشر صورها وفرحتها وملامح السعادة تغمر وجوهها وأنه خلال هذا العيد لم يرى المعتاد او أنه خفت بشكل كبير مما أعطى له إنطباعاً سيئاً وأن الواقع المأساوي بدأ ينعكس فعلاً على سلوك الناس في المجتمع وكأنهم منهكين جداً ولم يستطيعوا التعبير عن فرحتهم كما هي العادة، فالأخ الكريم وضع تسآؤلاً عفوياً عبر الصفحة الشخصية له قائلاً: “ماتلاحظون العيد بالبلاد هذا العام مافيه أي صور بالفيس والحالات عبر مواقع التواصل الإجتماعي بشكل عام أو أنها نسبية متواضعة جداً لا تعبر عن المضمون الحقيقي للفرحة بعيد الأضحى المبارك”.
أحسن الأخ بارك الله فيه الملاحظة الحسيّة التي يستشعر بها إخواننا وأهلنا الذين يعيشون مغتربين وبعيدين عن بلادهم وأهليهم فهم في الأعياد يهرعون على شاشات جوالاتهم ليرون مايفتقدون من فرحات وبهجات للأحباب في أوطانهم ويرون ملامح السعادة ترتسم على وجدان محبيهم فهم أكثر من يلاحظون لأنهم يراقبون عن فقد ويبحثون عن أقل الأسباب التي تُفرِح أهاليهم وأن يروا الفرحة تقترب من أوطانهم، هذا أخي مالُوحظ لنا أيضاً وكوننا نعيش في نقطة الصفر وننقل الأحداث من واقعها الذي نراه جلياً واضحاً أمام أعيُننا فإننا شاهدنا مالا يرتاح له ضمير، والذي تبكي عليه حتى العصافير فما عهدناه بالعيد تغرد صباحاً فرحاَ بالعيد وكأن الطير ينهكه أيضاً ما ينهك الإنسان، وأعتقد أن الناس كانوا مشغولين جداً عن جوالاتهم ليوثقوا لكم فرحتهم لتفرحوا معهم، وإن كنت تبحث عن الإجابة فإننا ننقلها لك من عين الحدث فالذي أمضى أيامه قبل العيد يبحث عن المحروقات لإنعدامها حتى توفرت قُبيل العيد تحديداً يوم عرفة فأصبح صائماً وأمسى مفطراً وهو في “طابور” المحطة ينتظر دوره ليحصل على البنزين حتى أن الدور لم يصل الكثير لأنه للأسف إنتهى مخصص المحطات وأصبح بعضهم يتسابق على “طابور” المحطات في صباح العيد أيضاً، فما بالك تريدهم يتفاعلون مع فرحة العيد وهم في “طابور” لا عفواً إخوتي بل هم في الحقيقة في “طوابير” من الأزمات الخانقة تعصف بهم، مابالك بذلك المسكين ينتهي من تعب “طابور” المحطة ليعود لمنزله للراحة فيجد أن الكهرباء مقطوعة والبلد تمر بموجة حرارة شديدة جداً أين سيرتاح، ثم يستيقظ ليغتسل للعيد فيجد ان الماء ضعيف أو مقطوع فلا يستطيع، كيف تريدون من الناس يعبرون عن فرحة العيد وهم يطاردون إسطوانات الغاز أنَّى يحصلون عليها او الأسعار الخيالية للمواد الغذائية الضرورية والأساسية والكمالية في ظل تدنيِّ معيب في قيمة الدخل للمواطن، الحقيقة أن الناس في كل يوم تنقب عن السعادة و – الدولة – هنا تحاول أن تدفنها وتخفي ملامحها عن المواطنين، دولة تحارب السعادة وتغتال الفرحة وتخطط للإسقاط الإبتسامة عن مواطنيها، دولة تحاول أن تجمع عدداً كبيراً من دموع المآسي وأحزان المواطن وتحاول جاهدةً أن تخفي دموع الأفراح والسعادة، دولة لا يُرضيها أن ترى مواطنيها حتى يشعرون براحة ونعمة الكهرباء، دولة ترى أنه من أولوياتها القصوى أن تجعل المواطن يبحث ويجتهد لكي يحصل على وجبة واحدة متواضعة في اليوم حتى أن الأطفال يعانون من ضعف المناعة وأجسامهم معرضة للخطر على الدوام، دولة تريد من الأب أن ينكسر أمام أبناءه لعدم قدرته على تحمل تكاليف ثياب العيد لهم..
يا أخي إن إحساسك حقيقي وحدسك واقعي، فالمنهك لا يستطيع أبداً أن يخفي ملامح التعب ولا يستطيع أن يتظاهر بالفرح لأن المنكسر لا يتعدل مطلقاً بل لابد من إصلاح حقيقي له يعيده إلى ماكان عليه، يا أخي أريد أن أوصل رسالة لإخواننا وأحبابنا وأهلنا في الغربة أن يكتفوا بحالهم، وإن أرادوا التواصل مع من في الداخل أن يكتفوا بالسؤال كيف الحال لأن عادتنا تكون الإجابة المطلقة الحمد لله على كل حال، فيكتفي بالحمد لله وهو أعظم مطلب وأن يحاول الإبتعاد وعدم ملامسة الجراح حتى لا يسمع صرخات الآلام فيتوجع بذلك قلبه فينكدر حاله ويزيد للطين بلَّةٌ فيجمع مابين الألم الداخلي والضرب الخارجي فتنكسر إرادته وتُجرح عواطفه وتمرض جوارحه، فالناس هنا يعانون في “طابور” أو عفواً كنت أقصد “طوابير” من الأزمات لاتزيد إلا فقط مزيداً من الإنهاك.






