بين وجع المواطن وصرخات حضرموت.. معاناةٌ تتجاوز حدود الاحتمال
بقلم / الشيخ حسين غالب العامري
الثلاثاء 26 مايو 2026
حمداً لله لا معبود سواه، وصلاةُ ربي على الرحمة المُهداة، وعلى من اقتدى بهداه.
أحبتي، لو كانت كلماتنا تُكتب على حجرٍ لتصدّع من شدّة الأنين الذي تحمله، ولما احتملت ما تختزنه من آلام. فأيُّ قلوبٍ تولّت أمرنا؟ بالأمس كتبنا وكتبنا، ولكن كيف سيشعر من هو خارج وطنٍ مزقته الأهواء والتحزبات والسياسات والمطامع، وشعبٌ يكتوي بمرارة الحياة وقسوتها؟
صرخاتٌ وأنينٌ من المنكسرين والعاجزين عن شراء أبسط متطلبات الحياة الكريمة، بل إن هناك تعذيباً وتنكيلًا وإذلالاً ممنهجاً في أعظم الأيام عند الله. وها هي صرخات شعبٍ أنهكته الأزمات المتتالية تتردد على مرأى ومسمع العالم بأسره. والله إنه لأمرٌ لا يُطاق، ووجعٌ يقطع القلوب.
أناسٌ من كبار السن والشباب والأطفال يقفون في طوابير الغاز والمحروقات تحت أشعة الشمس الحارقة وهم صائمون، مقبلون على رحمة الله. بعضهم يتسحر على قليلٍ من البسكويت والماء في تلك الطوابير منذ بزوغ الفجر وحتى وقت الإفطار. وهناك من أنهكتهم ظروف الحياة وضيق العيش، حتى إن بعض الأسر استقبلها العيد وهي لا تمتلك قيمة سلة غذائية تسد رمقها، ولا تكاليف علاجٍ في ظل انتشار الحميات والأمراض نتيجة تكاثر البعوض والذباب في غياب جهود المكافحة، فيما يفكر آخرون بمرارة في كيفية توفير قيمة الأضحية وفرحة العيد لأبنائهم.
إنه غلاءٌ فاحش لا يحتمله أحد. فأيُّ عيدٍ لشعبٍ أنهكته الأزمات، وهو يعيش فوق بحيرات من النفط وثرواتٍ هائلة ومنافذ وموارد تُنهب ليل نهار؟ ولا عجب، فهناك حكومةٌ في المنفى تنعم بما لذ وطاب، وأموالٌ طائلة بالعملة الأجنبية تُصرف لها ولأسرها. فأيُّ جرمٍ ارتكبناه؟
لقد أثقلت الهموم كاهل الناس، حتى ارتفعت معدلات الضغط والسكر لدى البعض، وتعرض آخرون لجلطات دماغية بسبب كثرة التفكير والمعاناة. أين تذهبون من الله يا من توليتم أمرنا فأشقيتم هذا الشعب؟ والله إن فرحة العيد انتُزعت من قلوبنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نكتوي بحرّ الصيف الملتهب وكهرباءٍ متهالكة لا تكاد تصمد، ولم تسلم أجهزتنا من الأعطال المتكررة، في وقتٍ لا يجد فيه كثير من الناس ما يسد رمقهم أو يصلح أعطالهم أو يعالج مرضاهم. لله المشتكى، فوالله إنه إذلالٌ وتنكيلٌ لا يُطاق.
وفي خضم هذه المعاناة، نطّلع على بيان لقبائل نهد والصيعر في منطقة الخشعة والعبر، بشأن ما تقوم به قوات الطوارئ من اعتقالاتٍ واستفزازاتٍ ومداهمات للبيوت في أوقاتٍ متأخرة من الليل، إضافة إلى تحليق الطائرات المسيّرة فوق المنازل، في وقتٍ تضطر فيه الأسر والنساء والأطفال إلى النوم فوق أسطح المنازل هرباً من شدة الحرارة وانقطاع الكهرباء.
فأين تلك الأصوات التي كانت تقول إن أي قوة غير حضرمية يجب أن تغادر حضرموت فوراً؟ وأين مواقفها اليوم تجاه هذه التصرفات والاستفزازات التي تمس أبناء القبائل وأهالي المنطقة؟ أيُّ عيدٍ عدتَ يا عيد، ونحن لا نزال نعيش وسط الألم والصرخات التي لا تنتهي؟ لقد قلناها مراراً: إن ثرواتنا تحولت إلى نقمة علينا بدل أن تكون نعمة.
ورسالةٌ إلى الإعلاميين الحضارم: أين أصواتكم مما يحدث في حضرموت وأهلها؟ وأين مواقف الإعلاميين تجاه ما يجري في حضرموت، بل وفي مختلف المحافظات الجنوبية؟ أم أن الأقلام أصبحت رهينة السياسات والمصالح والمكايدات الحزبية؟
سخّروا أقلامكم لما يعانيه المواطن من ويلات الحياة المعيشية، ومن تردي الخدمات، وانتشار الأمراض، وتفشي البطالة والفقر. ففي أعظم الأيام عند الله، يوم عرفة، ترتفع أصوات التلبية طلباً للمغفرة والرضوان، بينما ترتفع هنا أصوات الناس صرخاتٍ من الألم والإذلال والمعاناة.
حسبنا الله ونعم الوكيل.






