معشر السائقين… اتركوا الهواتف
بقلم / عبدالله حسن قاسم
الاحد 24 مايو 2026
كلما استقللتُ سيارةً أو دراجةً ناريةً، ولاحظتُ أن السائق منشغلٌ بهاتفه، تسارعت نبضات قلبي، وتوقعتُ خطراً وشيكاً في أية لحظة؛ فالانشغال بالجوال أثناء القيادة ليس مجرد عادة سيئة أو تصرف عابر، بل مجازفة حقيقية بالأرواح. يكفي أن تغيب عين السائق عن الطريق لثوانٍ معدودة حتى يتحول المشهد كله إلى كارثة: طفل يعبر الطريق فجأة، أو مركبة تتوقف أمامه، أو حفرة عميقة تربك التوازن، أو منعطف ضيق لا يمنحه فرصة للتدارك.
وفي بلادٍ تعاني طرقاتها من الضيق، والحفر، وغياب التنظيم، والعشوائية الطاغية، يصبح استخدام الهاتف أثناء القيادة تهديداً مضاعفاً، لا يطال السائق وحده، بل كل من يشاركه الطريق؛ من ركاب، ومارة، وأطفال، وحتى بائعي الأرصفة الذين يقفون على مقربة من حركة السير.
لستُ متأكداً من دقة هذه الإحصائية، لكنها كانت متداولةً على نطاق واسع في أيام الصحافة الورقية: “إن ضحايا الحوادث في اليمن أكثر من ضحايا الحرب في فلسطين”. وقد انتشرت هذه العبارة قبل أكثر من عقدٍ ونصف، يوم كان عدد المركبات أقل بكثير مما هو عليه اليوم، ولم تكن المدن — باستثناء الكبرى منها — قد وصلت إلى هذا المستوى من الاكتظاظ والازدحام الخانق. أما الآن، وبعد سنوات الحرب والنزوح والتوسع العمراني العشوائي، فقد تضاعفت أعداد المركبات والدراجات بصورة هائلة، وأصبح الطريق أكثر ازدحاماً وفوضى، وأكثر قابلية لوقوع الحوادث في كل لحظة.
ويبدو أن الواقع اليومي يؤكد فداحة المشكلة؛ فالمستشفيات تستقبل يومياً ضحايا الحوادث بمختلف أعمارهم، وبعضهم يخرج بإصاباتٍ لا تُنسى، أو إعاقاتٍ ترافقه بقية عمره، أو خسائر نفسية ومادية تدمر حياة أسرٍ كاملة. والمؤلم أن كثيراً من هذه الحوادث لم تكن قدراً لا يمكن دفعه، بل نتيجة مباشرة للإهمال، والسرعة، واللامبالاة، والانشغال بالهاتف أثناء القيادة.
كم من إنسانٍ خرج من منزله آمناً مطمئناً ولم يعد! وكم من أسرةٍ تبدلت حياتها في لحظة بسبب رسالةٍ قصيرة، أو مكالمةٍ ظن صاحبها أنها لا تحتمل التأجيل! إن الهاتف الذي نحمله للتواصل وتيسير حياتنا قد يتحول، في لحظة غفلة، إلى سبب مأساة لا تمحى آثارها.
مهما تكن المكالمة الهاتفية ضرورية، فتوقف جانباً ثم تحدث، ولن تخسر شيئاً إن أخّرت الرد دقائق معدودة حتى تصل إلى وجهتك بأمان. أما محادثات “واتساب” والتنبيهات العابرة، فهي بالتأكيد لا تستحق أن تُجازف من أجلها بروحك أو أرواح الآخرين. ولو رأيتَ مقدار الألم الذي يعيشه من أُصيب بعاهةٍ مستديمة بسبب حادث إهمال، أو شاهدتَ دموع أمٍّ فقدت ابنها، لأدركتَ حينها أن السلامة كنزٌ عظيم، تصغر أمامه كل اهتمامات الجوال، وكل المكالمات، وكل الرسائل المؤجلة.






