حضرموت تختنق بالظلام والطوابير.. أين وزير النفط أم أن العاصمة “الافتراضية” أنسته أنين الأرض الولادة؟
بقلم | خالد الصيعري
الجمعة 22 مايو 2026
من يصدق أن المحافظة التي تغذي عروق ميزانية البلاد بالذهب الأسود، وتنام فوق حقول من الثروة، باتت اليوم تقف عاجزة، طابوراً خلف طابور، بحثاً عن لترات معدودة من البنزين أو الديزل؟
بينما تقرأ هذا المقال، هناك آلاف المواطنين في المكلا والشحر وتريم وسيئون يقضون ليلهم ونهارهم في طوابير “الذل” أمام محطات الوقود. عائلات تقبع في بيوتها بلا كهرباء لأن محطات التوليد تفتقر إلى الديزل، ومرضى تتهدد حياتهم في المستشفيات لأن المولدات الإسعافية أوشكت على الانطفاء التام.
السؤال الذي يتردد على كل لسان في الشارع الحضرمي اليوم ليس “متى ستنتهي الأزمة؟” بل: أين وزير النفط والمعادن من كل هذا العبث؟
هل يدرك معالي الوزير، من موقعه في مكاتبه الفارهة أو جولاته الخارجية، أن حضرموت تعيش حصاراً داخلياً خانقاً عنوانه “انعدام المشتقات النفطية”؟ إنه لخلل بنيوي وفاضح في ضمير الحكومة والوزارة معاً، أن تتحول الأرض المنتجة للنفط إلى أكبر ضحايا شحّه.
المواطن الحضرمي لم يعد يبتلع مبررات “الأزمة العالمية” أو “التحديات اللوجستية” فالأزمة هنا هي أزمة إدارة، وأزمة غياب كامل للمسؤولية الأخلاقية والوطنية. حينما يفشل مكتب النفط في المحافظة في تأمين الحد الأدنى من الاستقرار التمويني، وحين تقف الوزارة موقف المتفرج البليد فإن هذا لا يسمى تقصيراً.. هذا يسمى “تواطؤاً بالفشل”.
لنضع النقاط على الحروف دون مواربة إن ما يحدث في حضرموت يكشف عن عجز مركب تشترك فيه وزارة النفط ومكتبها في المحافظة. لقد تحول مكتب النفط بحضرموت إلى مجرد هيئة “تنسيق لتقنين الأزمة” بدلاً من إيجاد حلول لها. غابت الرقابة
أين الدور الرقابي للوزارة؟ وأين مصفوفة الحلول الإستراتيجية التي من المفترض أن يضعها وزير النفط؟
إن الصمت الحكومي المطبق إزاء ما يحدث في حضرموت يبعث برسالة واحدة للشارع: أنتم وحدكم في مواجهة المعاناة ونحن مشغولون بترتيب ملفاتنا السياسية ومصالحنا الضيقة.”
المثير للسخرية الغامرة بالمرارة هو أن وزارة النفط تظهر بانتظام في بياناتها الرسمية لتتحدث عن خطط تطوير وتفاهمات بينما الواقع على الأرض يعكس سقوطاً إدارياً مدوياً. إن عجز الوزير عن ضبط بوصلة التموين في محافظة إستراتيجية كحضرموت، يعكس فجوة عميقة بين قيادة الوزارة وبين احتياجات الأرض. لا يمكن لوزير أن يدير قطاعاً حيوياً وحساساً بهذا البرود الإداري، بينما الشارع يغلي غضباً وقلقاً على قوته اليومي ومصدر رزقه.
لا يمكن فصل فشل وزير النفط عن الفشل العام للحكومة. هذه الحكومة التي يبدو أنها استمرأت العيش في جلباب “الأعذار”، متناسية أن وظيفتها الأولى والأساسية هي خدمة المواطن وتأمين العيش الكريم له. إن سياسة “مسكنات الألم” وترحيل الأزمات التي تنتهجها الحكومة ورأس هرم وزارة النفط في التعامل مع حضرموت لم تعد تجدي نفعاً.
حضرموت التي عرف أهلها بالصبر والمدنية أصبحت اليوم على حافة الانفجار الشعبي. الناس لم يعودوا قادرين على تحمل تكاليف المواصلات الجنونية الناتجة عن انعدام الوقود والحركة التجارية مشلولة بالكامل.
رسالة أخيرة إلى معالي وزير النفط وإلى رئيس الحكومة
إن الكراسي لا تدوم والتاريخ لا يرحم المسؤول الذي ينام ملء جفونه وشعبه يقتله القلق والظلام في طوابير المحروقات. إذا كانت الوزارة ومكتبها في حضرموت عاجزين عن إدارة ملف المشتقات النفطية وتأمين حصة المحافظة ومحاربة الفساد المتغلغل في أروقة التوزيع فإن الشجاعة الأدبية تقتضي الاستقالة والاعتراف بالفشل.
أعيدوا لحضرموت قطرات من نفطها أو اتركوها تدير ثروتها بنفسها فقد بلغ السيل الزُّبى ولم يعد في قوس الصبر الحضرمي منزع!






