اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

خطاب الرئيس العليمي.. خارطة طريق لاستعادة الدولة وبناء شراكة وطنية جديدة

خطاب الرئيس العليمي.. خارطة طريق لاستعادة الدولة وبناء شراكة وطنية جديدة

بقلم / ياسر المسوري

في الذكرى السادسة والثلاثين لإعادة تحقيق الوحدة اليمنية، لم يكن خطاب فخامة الرئيس رشاد محمد العليمي مجرد كلمة بروتوكولية مرتبطة بمناسبة وطنية عابرة، بل بدا كوثيقة سياسية متكاملة، وخارطة طريق لمرحلة جديدة تحاول فيها الدولة اليمنية إعادة تعريف أولوياتها الوطنية، وترميم علاقتها بالمجتمع، ومعالجة أخطاء الماضي، بالتوازي مع مواصلة معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي.

الخطاب حمل لغة مختلفة عن كثير من الخطابات التقليدية، إذ اتسم بقدر عالٍ من الواقعية السياسية والاعتراف الصريح بالتحديات والاختلالات التي رافقت التجربة اليمنية خلال العقود الماضية، بما في ذلك الاعتراف بوجود مظالم حقيقية تعرض لها الجنوب، والتأكيد أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلًا رئيسيًا لأي تسوية سياسية عادلة ومستدامة.

ولعل أبرز ما ميز الخطاب أنه تجاوز منطق الشعارات العاطفية حول الوحدة، وانتقل إلى الحديث عن “وحدة قائمة على الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية”، باعتبارها الضمانة الحقيقية لبقاء الدولة وتماسك المجتمع، في مواجهة المشاريع الطائفية والمناطقية التي حاولت تمزيق اليمن وإغراقه في دوامة الصراعات والانقسامات.

الرئيس العليمي وضع بوضوح معادلة المرحلة القادمة: “لا دولة بدون مؤسسات، ولا استقرار بدون شراكة، ولا مستقبل مع بقاء المليشيات”. وهي رسالة سياسية تعكس إدراكًا متزايدًا بأن معركة اليمن اليوم لم تعد مجرد مواجهة عسكرية مع مليشيات الحوثي، بل معركة شاملة لاستعادة فكرة الدولة نفسها، وإعادة بناء الثقة بين اليمنيين ومؤسساتهم الوطنية.

ومن النقاط المهمة التي تضمنها الخطاب، التأكيد على استمرار العمل وفق المرجعيات الثلاث، المتمثلة بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات الشرعية الدولية، وهو ما يعكس تمسك الشرعية بالإطار السياسي والقانوني للحل، في وقت تحاول فيه مليشيات الحوثي فرض واقع سياسي وعسكري بقوة السلاح.

كما حمل الخطاب رسائل واضحة بشأن ضرورة توحيد القرارين الأمني والعسكري، وتعزيز التكامل بين كافة التشكيلات والقوى الوطنية، باعتبار أن أي حالة تشظٍ أو ازدواج في القرار تصب في النهاية في مصلحة المشروع الحوثي، الذي طالما استفاد من الانقسامات والخلافات بين القوى المناهضة له.

وفي الجانب الاقتصادي والخدمي، أشار الرئيس إلى استمرار برنامج الإصلاحات المالية والإدارية، وتحسين الحوكمة، ومكافحة الفساد، والعمل على تمكين السلطات المحلية ومنحها صلاحيات أوسع، وهي قضايا أصبحت تمثل مطلبًا شعبيًا ملحًا في ظل تدهور الخدمات والأوضاع المعيشية.

كما لم يغفل الخطاب الجانب الإنساني، خصوصًا ما يتعلق بملف الأسرى والمختطفين، حيث اعتبر اتفاق الإفراج عن 1750 مختطفًا وأسيرًا خطوة إنسانية مهمة تعكس أولوية الإنسان اليمني فوق الحسابات السياسية، مؤكدًا استمرار الجهود لإغلاق هذا الملف بشكل كامل.

وفي بعده الإقليمي، عكس الخطاب توجهًا واضحًا نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية، والانتقال بالعلاقة من إطار الدعم والتحالف إلى مستوى الشراكة الشاملة، إلى جانب السعي نحو اندماج اليمن تدريجيًا في المنظومة الخليجية، باعتبار استقرار اليمن جزءًا لا يتجزأ من أمن المنطقة.

ومن الرسائل المهمة أيضًا، رفض الرئيس العليمي لمنطق الانتقام والتشفي وخطاب الغلبة، ودعوته إلى تجاوز الصراعات الصغيرة، وإعادة فتح المجال أمام كافة القوى الوطنية للعمل تحت سقف الدولة، مع اتخاذ إجراءات لمراجعة الملاحقات المرتبطة بالأحداث الأخيرة في بعض المحافظات الجنوبية، بما يعزز مناخ التهدئة والشراكة الوطنية.

لقد حاول الخطاب أن يبعث برسالة طمأنة لليمنيين بأن الدولة لا تزال قادرة على النهوض رغم حجم التحديات، وأن مشروع استعادة الدولة لم يعد مجرد شعار سياسي، بل رؤية متكاملة تقوم على الإصلاح والشراكة وتوحيد المؤسسات وبناء الثقة.

وبعيدًا عن اللغة الاحتفالية المعتادة، بدا خطاب الرئيس أقرب إلى مراجعة وطنية شاملة، وإعلان سياسي بأن اليمن يقف أمام فرصة جديدة قد تكون الأخيرة لإنقاذ الدولة ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من الفوضى والتفكك.

فاليمنيون اليوم لا يبحثون عن خطابات النصر بقدر ما يبحثون عن مشروع دولة حقيقي، يعيد لهم الأمن والكرامة والخدمات والاستقرار، ويطوي سنوات الحرب والانقسام، وهو ما حاول خطاب الرئيس العليمي أن يضع ملامحه بوضوح، في لحظة سياسية تبدو فارقة في تاريخ اليمن الحديث.

إغلاق