القهر الثقافي
تاربة_اليوم/ كتابات وآراء
كتب / خالد لحمدي
18مايو2026م
إن الفساد المستشري في جسم الوطن ترك إرهاصات كثيرة وتفتّق عنه مظاهر شتّى أعاقت حركة سير المثقّف وأعادت خطاه إلى الخلف ، وظل يصارع طواحين الهواء دون أن يستطيع الخلاص من سحب الفساد الممطرة بالكآبة والألم في كل مناحي حياته ، والمطوّقة كل شيء حوله بقصد ودراية.
ذلك الشبح المخيف المستفحل في كل شبرٍ تخطو نحوه الروح الوالهة، للإبداع والألق ، الملتهم كل جميل ورائع بنهم ولذّة .
يمارس طقوسه بإدراك وصمت ، متلحّفاً رداء الفرح والدهشة ، وقد أصبح بحجم وطن ، لا يوازيه شيء
ولا يقف في طريقه أحد .
تغنّت له الوطاويط كثيراً ، واحتفلت به الأشباح المعتمة ، وهتفت له أجمل الهتافات وأروع النشيد .
وظل النور متكوّراً في ركن بعيد ، محاولاً إشعال شموع الضياء والبهجة ، ويحيط بها من كل اتجاه كي لا تطفئها ريح أو تغسلها مطر .
فعادة الأمكنة العالية لا يستطيع أن يتخطاها سوى من كانت دواخله مليئة بالعزم ومفعمة بالأمل وكثيراً من الصدق والمعرفة .
فبالأمل يُكسر كل شيء ، وتنهزم جيوش الغباء ، وتتقهقر في لحظات بل في ثوان قليلة .
فأمكنة النور لا تتسع سوى للبياض والندى ، ولا تحتمل فيها البقاء سوى للأعذب ألأفضل الذي يغمر بنوره الفضاءات الوالهة للبهاء .
وما يمرُّ بنا من وقت كثر به الزائفون وتربّعوا على عروش الفرح والبهجة ، أفقدنا شبح سوادهم صوابنا ، وأذهلنا كثيراً ، وباتت أرواحنا شبه كابية لما تشهده من بؤس وشقاء شديدين .
لقد ولدنا على ثقافة لا تشوبها شائبة ، ولا يُعكّرها طمي ، ولا يسكنها بائس
لا يجيد أبجدية الحرف ومعاني السمو والارتقاء .
وحين نتأمل حولنا المشهد الثقافي المصاب بندوب الخيبة والوهن ،
تصاب أرواحنا بالملل والسأم مما يصنع ويعتمل داخل بعض الأروقة المهتمّة بالثقافة وبالشأن الثقافي المهلهل المهترئ .
فليس إصدار المجلات المتكدّسة في كثير من المخازن ، والممتلئة بها أكشاك الصحف إلاّ جزءًا من مُحرّك الثقافة الراكدة في مياه ضحلة مليئة بالوهم وكثير من السبات والغفوة.
فكثير من سكان هذه الأرض لا يحب القراءة ولا يحرص عليها إلاّ قلّة قليلة ، وتلك ظاهرة منتشرة في أوطان عدّة .
قد يشاهد البعض أو يطالع في أغلفة بعض المجلات دون أن يقرأ محتويات تلك المجلات ذات الأغلفة المرسومة بعناية ودقّة ، والتي لا تخدم مواضيعها المثقّف ، بل الأمة بأكملها ، وهي الأهم من كل شيء .
فقد مات المسرح وأُبعد المسرحيون.
وغابت الفنون الشعبية واختفى التراث الشعبي .
واختفت الموسيقى الصادقة وطغى الصوت الزائف المُمجّد للحاكم وسياساته المخاتلة .
غاب صوت الفن والإبداع الحقيقي المتغنّي بوطن يستحق منّا أن ننشد ونغنّي له ونواسيه في وقت ينزف كل جزء منه بدماء متخثّرة وآلام مريرة .
غابت المؤتمرات والندوات الثقافية والأدبية التي تناقش هم الوطن وثقافة الحب والتسامح والسمو والارتقاء ، وتضع المخارج والرؤى لما يعتمل داخله من فجائع وأهوال كثيرة.
غاب الكتاب وطباعته واختفت معارض الكتب .
ذهبت أشياء رائعة ، وسقطت أشجار باسقة واقتلعت من جذورها وأمكنتها بعد أن أماتها العطش والتصحّر وكثير من الجدب المتعمّد والخواء .
ذهب وذهب و..! مات ومات و ..!
لذلك أقول و بحسرة :
بئساً لأدب وثقافة وفن وأحرف لا تخدم الأمة والوطن ولا تنشر الوئام ومفاهيم السمو والنهوض بالعقل الإنساني نحو العلو والكمال .
فثمّة اختلال في الكون حين يدس الجهل أنفه بيننا ويزرع القبح فينا ويرسم أبشع الصور وأوحش الأطياف واللوحات القاتمة .
يقتل براعم الجمال الذي زرعناه عمرا من الوقت ، ويأتي بسيل من الصخب والفجاجة ، وطوفان من العتمة والقلق .
يميت ويطفىء أحلامًا صغيرة وتطلّعات كبيرة بأفق أرحب ومستقبل عطري ندي .
كل هذا يخلق حالة من الاضطراب والتوتّر ، ويؤثّر في نتاج المثقف المبدع ويجعله تائهاً منهزماً ، لقهر ثقافي واقع عليه ينعكس سلباً على فكره ونتاجه الإبداعي ويقتل طموحه ورؤاه ، قد يتخطّى البعض تلك الأشواك والحواجز ولا يعيرها أي اهتمام .
ويبقى البعض الآخر يختنق جرّاء الأدخنة الموبوءة بالسموم والأوبئة المنبعثة من حوله ، تتسلل إليه روائحها من كل ناحية ومن أمكنة بعيدة قريبة ، تخنق بذكاء كل سحر نما واكتملت غصونه وتكاد تكون أينعت .
إن الحياة لا تدب في العروق الصدئة وأرواح الكاذبين ، والفجر والنور عادة يصنعه الأوفياء والأتقياء والرائعون،
بهم تُعمّر الأوطان وتنهض الأمة وتخلّد مآثرها وترسي دعائم الكرامة والصدق والوفاء .
فليبتسم الإبداع الحقيقي للمستقبل كثيراً ، وليفرح المثقف ويلتحف ببعض من الصبر وقليل من الأمل ،
وليتحاش تساقط كثير من الدمع ، وليتفاءل بواقع مشرق يضيء نهارات ناضحة بالبهاء ، توشك أن تكتمل بين لحظة وحين .
..






