قراءة علمية في كتاب “النضال من أجل استقلال جنوب اليمن: أجيال المقاومة” للكاتبة الألمانية آن-ليندا أميرة أوغستن (1-2) –
تاربة اليوم
2026-05-16 03:44:00
قراءة علمية في كتاب “النضال من أجل استقلال جنوب اليمن: أجيال المقاومة” للكاتبة الألمانية آن-ليندا أميرة أوغستن (1-2)
الجمعة 15 مايو 2026 – الساعة:18:44:24
( / أمين اليافعي 🙂
كيف حافظ الجنوبيون على حلم الدولة رغم ثلاثة عقود من القمع؟
لماذا يناضل جيلٌ لم يعش دولة الجنوب من أجل استعادتها؟
ألم تتحول الذاكرة الجنوبية إلى أخطر أشكال المقاومة السياسية؟
أليس الحراك الجنوبي أكبر دليل على فشل مشروع الوحدة اليمنية ؟
كيف انتقلت فكرة استقلال الجنوب من المجالس العائلية إلى الشارع؟
لماذا بقيت جمهورية الجنوب حيّة في ذاكرة الأجيال الجديدة؟
كيف صنعت الأسر الجنوبية “النص الخفي” للمقاومة؟
ألم يكن قمع ما بعد 1994 الوقود الحقيقي للحراك الجنوبي؟
يُعدّ كتاب آن-ليندا أميرة أوغستن “نضال جنوب اليمن من أجل الاستقلال: أجيال من المقاومة” دراسةً إثنوغرافيةً رصينةً وموثّقةً توثيقاً دقيقاً، تتناول واحدةً من أقلّ الحركات السياسية المعاصرة في العالم العربي حظّاً من البحث والدراسة. وُلد هذا العمل من رحم انخراطٍ استمرّ عقداً من الزمن مع الحركة النضالية في جنوب اليمن (الحراك الجنوبي)، وتجذّر في السيرة الثقافية المزدوجة للمؤلفة الألمانية-الجنوبية. يستقصي الكتابُ سؤالاً محورياً: لماذا ينخرط شبابٌ جنوبيون لم يعيشوا تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1967-1990) في نضالٍ سياسي باسمها وفي سبيل استعادتها؟ وتحاول أوغستن الإجابة عن هذا السؤال المركزي من خلال تطوير مفهوم نظري أصيل تُسمّيه “المقاومة عبر الأجيال”، وهي آليةٌ تنتقل عبرها سرديةٌ مضادة للواقع المفروض بالقوة من جيلٍ إلى آخر، فتُحيي حركةَ استقلالٍ وتُغذّيها حتى تشتعل. والحصيلةُ عملٌ غنيٌّ يجمع بين الجرأة المنهجية والعمق النظري، ويُسهم إسهاماً ملموساً في علم الاجتماع السياسي ونظرية الحركات الاجتماعية ودراسات الشرق الأوسط، وإن ظلّ – من وجهة نظر الباحثين – مفتوحاً على تساؤلاتٍ جدية حول الموقع البحثي ونطاق الدراسة وتوازنها التحليلي.
أولاً: الإشكالية البحثية وبنيتها النظرية
نقطة الانطلاق الفكرية للكتاب الذي كان عبارة عن رسالة دكتوراه من جامعة ماربورغ – واحدة من أهم الجامعات في العلوم الإنسانية – وصدر عن دار نشر الجامعة الأمريكية مثيرةٌ للاهتمام. رصدت أوغستن أن شباناً جنوبيين وُلِدوا بعد الوحدة عام 1990 – وهو الجيل الذي تحلّله من خلال مفهوم “جيل الوحدة” – كانوا يتحدثون عن الجمهورية الشعبية المُندثرة بضمير الملكية: “دولتنا”، “إنجازاتنا”، “كان لدينا تعليمٌ وصحةٌ مجانيان”. هذه المُعرّفةُ بكيانٍ سياسي لم يعش صاحبها في ظلِّه قطّ تُشكِّل لغزاً اجتماعياً-سياسياً سوف يقود الدراسةَ برمّتها نحو محاولة فك شفراته.
تُؤطّر أوغستن هذا اللغزَ في إطارٍ نظري متعدد الأبعاد والروافد. في صميم هذا الإطار يقع مفهوم الانتقال عبر الأجيال، الذي طوّرته سوسيولوجيا الأسرة أساساً، خاصةً بيرتو وبيرتو-وايام؛ روزنتال (Bertaux and Bertaux-Wiame; Rosenthal)، وتمتدّ به الكاتبةُ إلى ميدان المقاومة والتعبئة السياسية. وتُعرِّف هذا الانتقال بوصفه نقلَ “أنماط السلوك والمواقف والقيم والمحظورات سياسياً، فضلاً عن الموارد” عبر الأجيال، عبر وسائط لغوية ووجدانية ومعرفية. والخطوةُ النظرية المهمة في الكتاب هي إعادة تأطير هذه الظاهرة السوسيولوجية الشاملة بوصفها ضرباً من ضروب المقاومة السياسية، حين تنشأ في سياق قمعي، وحين يكون مضمونها سرديةً مضادة ومتمردة، وحين يوظّفها الفاعلون – بوعيٍ أو دون وعي – في مواجهة خطاب السلطة المهيمن.
ويستند هذا الإطار كذلك إلى المخزون المفاهيمي لجيمس سكوت (James Scott) حول “النصّ الخفي” و”أسلحة الضعفاء”. وتُقنعنا أوغستن بأنه بين عامَي 1994 و2007، لم تنجُ الرغبةُ في الاستقلال الجنوبي في التصريحات العلنية – إذ كانت تُقمع بعنفٍ على يد نظام صالح – بل تسرّبت إلى الكلام اليومي للأُسر، وشكاوى الجدّات من الانحدار نحو الأسوأ، والحكايات المتناقَلة في المجالس والأحياء والمدارس والملتقيات. وحين ظهر الحراك الجنوبي علناً عام 2007، لم يكن ذلك من فراغ: بل استقى زخمه من سرديةٍ مضادةٍ كانت تتخمّر على موائد الأسر وفي جلسات القهوة بالأحياء لأكثر من عقد. وفجأةً وبقوة، تحوّل النصُّ الخفي نصاً عاما مُوجِهاً.
يمتدّ البناء النظري بجانب نظرية الحركات الاجتماعية أيضاً حشد الموارد، وبنية الفرص السياسية، وأطر العمل الجماعي، والهوية الجماعية، وقد وُزِّع على فصولٍ خمسةٍ: البيئة الاجتماعية-السياسية، والفاعلون، والمحتوى، والفضاءات، والإعلام والرموز. هذا البناء التحليلي الخماسي الأبواب، الذي تربطه أوغستن صراحةً بالسمات الخمس التي تحدّدها للمقاومة عبر الأجيال، يمنح الكتابَ تماسكاً معمارياً مثيراً للإعجاب، وإن كان هذا البناء يُخاطر أحياناً بفرض نظامٍ تصنيفي صارم على ظواهر تتسم في طبيعتها بقدرٍ كبير من المرونة والتداخل.
أما الخيطُ المقارن الذي يجري في ثنايا الكتاب – بين جنوب اليمن وجمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة – فهو مجازفةٌ فكرية غير مألوفة وذات قيمة منتجة. وأوغستن، المولودة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية لأمٍّ ألمانية شرقية وأبٍ جنوبي يمني، تستحضر مفهوم “الأوستالجيا”، أي الحنين إلى الدولة الألمانية الشرقية، لإضاءة – على سبيل القياس – الحنين إلى اليمني الجنوبي. وهذا المسعى المقارن ذو إيحاءاتٍ نظرية ثرية: فهو يُثبت أن التماهي مع دولةٍ مندثرة لا يستلزم بالضرورة تجربةً معاشة مباشرة، بل يمكن أن ينتقل عبر ذاكرة الأسرة وخطابات الجماعة. بيد أن هذه المقاربة المقارنة تبقى مُوحيةً أكثر منها مطوَّرةً بصورة منهجية.
.
ثانياً: المنهجية — الإثنوغرافيا المركّزة وتوتراتها
الخيارات المنهجية لأوغستن جريئةٌ ومُسوَّغة في مجملها، وإن كانت تُفضي في الوقت ذاته إلى أبرز التوترات الأكاديمية في الكتاب. تُؤطّر الدراسةُ نفسها صراحةً باعتبارها إثنوغرافيا مركّزة بالمعنى الذي حدّده هوبرت كنوبلاوخ (Hubert Knoblauch) – أي منهجٌ مكثّف في الوقت والبيانات، يرتكز على زياراتٍ ميدانية قصيرة متعددة تراكم المعرفة تراكماً تدريجياً. ويستلزم هذا المنهج استخداماً موسّعاً لأجهزة التسجيل، وقد أسفر عن قاعدة بيانات تضمّ نحو 1300 صورة وتسجيل مرئي، وأربعين ساعة من المقابلات السردية شبه المنظّمة، ونقاشات مع مجموعات بؤرية شارك فيها أكثر من ثمانين شخصاً تتراوح أعمارهم بين التاسعة عشرة وما فوق السبعين، من شتى محافظات جنوب اليمن تقريباً، ومن الجنسين. وهذا الرصيد الميداني في غاية الثراء لدراسةٍ تتناول هذه المنطقة في هذه المرحلة.
واختيار عدن موقعاً ميدانياً رئيسياً اختيارٌ مُبرَّر بوضوح. فبوصفها العاصمةَ السابقة للجمهورية الشعبية والفضاءَ الأوسع لمظاهرات الحراك الجماهيرية، تُمثّل عدن في آنٍ معاً مختبراً اجتماعياً ومركزاً رمزياً لنضال الاستقلال. وتمتدّ أعمال أوغستن الميدانية متعدّدةَ المواقع إلى: الحبيلين في محافظة لحج (معقل مبكر للحراك)، وأبين (حيث تقيم أسرتها)، والجاليات المغتربة في الخارج، خصوصاً فعاليات الحراك الجنوبي في أوروبا. وهذه الخاصية متعددة المواقع ضرورةٌ منهجية لا غنى عنها، إذ تُبثّ السردية المضادة التي ترصدها أوغستن عبر الأُسر والأحياء والمدارس والإعلام العابر للحدود، ولا يمكن اختزالها في مكانٍ واحدٍ.
وإلى جانب الملاحظة بالمشاركة والمقابلات، حلّلت أوغستن بصورة منهجية كتبَ مقرّرات المدارس في مادة التاريخ والتربية الوطنية والدراسات الاجتماعية عبر فصولٍ ومستوياتٍ دراسية متعددة، بحثاً عن حضور الأحداث التاريخية اللاحقة لعام 1990 أو غيابه في المناهج الرسمية. كما رصدت بانتظام الصحف اليومية المحلية، وتابعت الإعلام الجنوبي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذا المنظور الثلاثي الأبعاد والمتعدد المصادر الذي يجمع الملاحظة المباشرة وبيانات المقابلات (الشهادات) والتحليل النصي المؤسسي يُعدّ من أبرز نقاط القوة المنهجية في الكتاب، إذ يُمكِّن الكاتبةَ من التنقل بين المستوى الجزئي للانتقال الشخصي للسردية بين الأفراد والمستوى الكلي عن طريق المؤسّسات الإعلامية.
أما السمة الأكثر أمانةً من الناحية المنهجية، وأهميةً من الناحية الفكرية في الكتاب هي تأمّل أوغستن الدائم لموقعها البحثي. فهي في آنٍ واحد: باحثةٌ أكاديمية، ومُطلعةٌ من الداخل والخارج بثقافةٍ مزدوجة، وعضوٌ في أسرة ناشطين في الحراك، وفي المحصلة مناضلةٌ مؤسسية في صفوف الحركة السياسية ذاتها التي درستها، إذ قبلت منصباً في المكتب الأوروبي للمجلس الانتقالي الجنوبي عام 2018.
وأوغستن صريحةٌ في إقرارها بهذا المسار وما ينطوي عليه من تبعاتٍ إبستيمولوجية. تعترف بأن روابطها الشخصية والعائلية أتاحت لها وصولاً ما كان ليكون مُمكناً في غياب هذه الروابط في بيئةٍ بحثية بالغة الاستقطاب والحساسية الأمنية، بينما تُقرّ في الوقت ذاته بأن هذا القرب عينه قيّد قدرتها على دراسة الأصوات الخارجة عن معسكر مؤيدي الاستقلال. وهذا المستوى من التأمل النقدي في الذات جديرٌ بالثناء، ويضع الكتابَ في تقليد الإثنوغرافيا النسوية وما بعد الاستعمارية التي تُؤطّر موقع الباحث بوصفه عنصراً بنيوياً في إنتاج المعرفة، لا متغيّراً مُربكاً ينبغي ضبطه وإقصاؤه.
وقد يكون التنقّل من موقع الباحثة إلى موقع الناشطة-المناضلة يستدعي مساءلةً أكثر منهجيةً مما يُقدّمه الكتاب في مجمله. تُقدّم أوغستن تبريراً متأمّلاً – استحالة البحث الميداني في اليمن بعد 2015، وقيود المنظومة الأكاديمية، والتضامن السياسي – لكن التبعات التي يُخلّفها هذا التحوّل على الوضع الإبستيمولوجي للبحث المُنجز قبل عام 2018 لا تُعالَج معالجةً وافية.







