اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

المعاطف البيضاء التي لوّثها الفساد

المعاطف البيضاء التي لوّثها الفساد

بقلم / صالح برك الجابري
الجمعة 15 مايو 2026

في الوقت الذي يرزح فيه هذا الشعب تحت وطأة أزمات متلاحقة صنعها ساسة ومسؤولون حرموا المواطن من أبسط حقوقه الأساسية، من كهرباء وغاز ومحروقات ورواتب، كان الأمل معقودًا على أن يجد في القطاع الصحي مساحة للرحمة والإنسانية، وأن يطمئن إلى أن صحة الإنسان ستظل بعيدة عن منطق التجارة والمساومة. غير أن ما يُثار حول تجارة الأدوية في حضرموت يكشف عن واقع بالغ الخطورة، ويضع المجتمع أمام جريمة أخلاقية وإنسانية لا تقل فداحة عن أخطر صور الفساد.

قد يتفهم الناس سعي تجار الأدوية وشركاتها إلى تحقيق الأرباح، فهم في نهاية المطاف لا يختلفون كثيرًا عن غيرهم من التجار الذين جعلوا الربح هدفهم الأول، حتى وإن كان ذلك على حساب معاناة المواطنين، كما يحدث في كثير من القطاعات الأخرى، ومنها تجارة المواد الغذائية التي لم تمنع بعض العاملين فيها اعتبارات الدين أو الأخلاق من استغلال هذا الشعب المثقل بالأعباء. لكن الفاجعة الحقيقية تبدأ حين يمتد هذا المنطق التجاري إلى بعض الأطباء الذين ائتمنهم الناس على أرواحهم وصحتهم، وجعلوا من رسالتهم الإنسانية تجارة تخضع للمصالح والمكاسب الشخصية.

إن الاتجار بصحة الناس ليس مجرد تجاوز إداري أو مخالفة مهنية، بل هو خيانة للأمانة وانتهاك صريح للقسم الذي يؤديه الأطباء والصيادلة عند تخرجهم، حين يتعهدون بأن يجعلوا مصلحة المريض فوق كل اعتبار. ومن المؤلم أن تتحول هذه الرسالة النبيلة لدى البعض إلى وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية، ولو كان الثمن صحة المريض ومعاناته.

ومن المعروف أن مندوبي شركات الأدوية يحصلون على عمولات ترتبط بحجم المبيعات، الأمر الذي يدفعهم إلى بذل كل ما في وسعهم لترويج منتجاتهم. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يجد هؤلاء من يقبل بالتعاون معهم من بعض الأطباء، فتتحول الوصفة الطبية من قرار مهني قائم على التشخيص والمصلحة العلاجية إلى صفقة تجارية تخضع لمنطق المقابل والمكافأة.

وقد تتنوع صور الإغراء للطبيب بين مبالغ مالية، أو رحلات خارجية، أو أجهزة إلكترونية، أو مزايا شخصية أخرى. وما إن تتم هذه التفاهمات حتى يبدأ توجيه المرضى إلى أدوية معينة، قد لا تكون الأفضل من حيث الفاعلية، ولا الأنسب من حيث السعر، في تجاهل كامل لظروف المرضى واحتياجاتهم. وهنا تصبح مصلحة المريض آخر ما يُنظر إليه، بينما تتقدم مصالح الطبيب ومندوب الشركة على كل اعتبار.

إن هذه الممارسات من مافيا شركات الادوية وبعض الاطباء تمثل اعتداءً مباشرًا على حق الإنسان في العلاج الأمثل، وتُفرغ مهنة الطب من جوهرها الإنساني والأخلاقي. فهي جريمة لا تقل خطورة عن قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تقل بشاعة عن الاتجار بالبشر، لأنها تمس حياة الإنسان وصحته وتجعله سلعة في سوق المصالح والمساومات. فالدواء ليس سلعة عادية، بل وسيلة لحفظ الصحة وتخفيف الألم وإنقاذ الأرواح، والتلاعب به لتحقيق مكاسب شخصية هو جرم بالغ الخطورة لا يمكن تبريره أو التساهل معه.

استمرار هذه الظاهرة يكشف عن خلل أكبر يتمثل في ضعف الرقابة وغياب المحاسبة. وهنا يبرز التساؤل المشروع: أين دور وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية والجهات الرقابية المختصة؟ فالمسؤولية لا تقف عند من يرتكب المخالفة مباشرة، بل تمتد إلى كل جهة قصّرت في أداء واجبها الرقابي. فإن كانت هذه الممارسات تجري دون علم المسؤولين فتلك مصيبة، وإن كانوا على علم بها ولم يتحركوا لإيقافها فالمصيبة أعظم، لأن السكوت عن الفساد مشاركة فيه، والتهاون في حماية صحة الناس تفريط في أمانة عظيمة.

قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾. وهي آية كريمة ينبغي أن يستحضرها كل من يتولى مسؤولية تمس حياة الناس وصحتهم. فكل طبيب خان أمانته، وكل مسؤول أهمل واجبه، وكل جهة قصّرت في الرقابة، ستقف يومًا بين يدي الله تعالى لتُسأل عن هذه الأرواح وعن هذه المعاناة.

إن صحة الإنسان ليست مجالًا للمساومة، والعبث بها من أجل مكاسب دنيوية زائلة هو جريمة مكتملة الأركان، تستوجب موقفًا حازمًا من المجتمع والسلطات معًا، حمايةً للمرضى، وصونًا لقدسية المهن الطبية، وحفاظًا على ما تبقى من الثقة في منظومتنا الصحية.

إغلاق