بين القائد والشعب… كيف تُصنع الإنجازات وتدوم؟
بقلم : الشيخ/ محمد القاضي باوزير ( ابوالعباس).
المكلا : ٩ مايو ٢٠٢٦م.
ليست المشكلة في أن يحقق القائد إنجازًا، فكل شعب يفرح بأي خطوة تعيد له كرامته أو تحفظ حقوقه، ولكن المشكلة تبدأ حين يتحول ذلك الإنجاز إلى شعور بالتفوق على الناس أو احتكار للنصر وكأن الوطن ملك لفئة دون أخرى. فالقائد الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد المصفقين حوله، بل بمدى التحام الناس بمشروعه وإيمانهم بأنه يمثلهم جميعًا.
حضرموت اليوم لا ينقصها الرجال، ولا التاريخ، ولا المكانة، لكنها تعاني من آفة خطيرة اسمها الأنانية وحب الذات. كثير من القيادات تنشغل بإثبات حضورها الشخصي أكثر من انشغالها ببناء حضور حضرموت الجامع. ولهذا نرى بعض الأحداث الكبيرة تمر وكأنها مناسبات خاصة، لا قضايا شعب بأكمله.
حين يعود قائد أو يدخل مدينة أو يعلن مشروعًا مصيريًا، يفترض أن يكون ذلك حدثًا شعبيًا عامًا تشارك فيه كل الشرائح الاجتماعية والقبلية والسياسية والثقافية، وأن يصاحبه خطاب واضح يشرح للناس المشروع والأهداف والتحديات، لا أن يظهر المشهد وكأنه زامل عابر أو تجمع محدود يحتفل أصحابه بأنفسهم ثم يعلنون أنهم انتصروا. كما حصل بعد التحرير في ٣يناير ٢٠٢٦م من استعراضات ممجوجة من بعض القيادات في كل من سيؤن والمكلا .
النصر الحقيقي لا يُصنع بالغرف المغلقة، ولا بالمجالس الضيقة، بل يصنعه الناس حين يشعرون أن هذا المشروع مشروعهم، وأن هذا القائد قريب منهم، يسمعهم ويحترمهم ويشركهم. فالقائد المتواضع يزداد قوة كلما اقترب من شعبه، أما المتعالي فيبدأ ضعفه يوم يظن أن ما حققه يمنحه حق الاستعلاء على الناس أو تجاهلهم.
لقد علمتنا تجارب الشعوب أن أعظم القادة هم أولئك الذين ظلوا بين جماهيرهم، يفتحون الأبواب للجميع، ويعتبرون أي نجاح هو نجاح للشعب لا لأنفسهم. أما من يحصر الإنجاز باسمه أو جماعته، فإنه يحول المشروع الوطني إلى مشروع شخصي، ويزرع الإحباط والانقسام بدل الالتفاف والوحدة.
وحضرموت اليوم أحوج ما تكون إلى مشروع جامع، لا يُقصي أحدًا ولا يحتكر التمثيل أحد. حضرموت أكبر من الأشخاص، وأكبر من المكونات، وأكبر من المصالح الضيقة. قوتها الحقيقية في وحدة صفها، وفي التفاف أهلها حول قضية واضحة يشعر الجميع أنهم شركاء فيها لا مجرد متفرجين عليها.
كما أن احترام الناس لا يُفرض بالشعارات، بل يُنتزع بالموقف والحضور والقدرة على حماية الكرامة العامة. فحين تُهان الرموز أو تُداس الصور أو يُستفز الشارع دون أي رد فعل حقيقي، فإن الناس تبدأ بالتساؤل: أين القيادات؟ وأين الهيبة؟ وأين المشروع الذي قيل لنا إنه يمثل حضرموت؟
إن القائد الذي يريد صناعة دولة أو بناء كيان محترم، عليه أولًا أن يبني الثقة مع شعبه، وأن يتواضع لهم، وأن يدرك أن الجماهير ليست مجرد أرقام تُستدعى وقت الحاجة، بل هي أساس أي مشروع ناجح. فلا قيمة لأي انتصار إن بقي محصورًا في الأحاديث والمجالس، بينما الشارع غائب والناس فاقدة للحماس والإيمان بالمستقبل.
حضرموت لن تضيع لقلة إمكانياتها، بل قد تضيع إذا استمر البعض في التعامل معها بعقلية الفرد والجماعة والمكاسب الضيقة. أما إذا التحم القائد بشعبه، وفتح المجال لكل الطاقات والكفاءات، وتعامل بتواضع ومسؤولية، فإن حضرموت قادرة على أن تصنع نموذجًا يفرض احترامه على الجميع.






