اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

مليونية التفويض حين تحولت الجماهير إلى ذاكرة وطن ومستقبل قضية

مليونية التفويض حين تحولت الجماهير إلى ذاكرة وطن ومستقبل قضية

بقلم / صدام عبيد يسر الزبيدي

حضرموت – سيؤن
الجمعة / 8 مايو 2026

في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب لا يعود الزمن مجرد تعاقب عادي للأيام بل يتحول إلى مساحة تختبر فيها معاني الهوية والانتماء والإرادة هناك أحداث لا تمر مرور عابر في ذاكرة الأمم لأنها لا تولد من ترتيبات السياسة وحدها بل من العمق النفسي والوجداني للشعوب حين تشعر أن لحظة التعبير عن ذاتها قد حانت وفي مثل تلك اللحظات لا تكون الجماهير مجرد حشود متراصة ولا تصبح الساحات مجرد أماكن امتلأت بالبشر بل تتحول الجماهير إلى ذاكرة وطن تسير على الأرض ويصبح الهتاف أشبه بصوت التاريخ وهو يعيد تعريف الحاضر ويرسم ملامح المستقبل.

ذلك تماما ما حدث اليوم في سيئون في مليونية ذكرى إعلان عدن التاريخي وتجديد العهد والتفويض للرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي حيث بدا المشهد أكبر من مجرد فعالية جماهيرية أو مناسبة سياسية تقليدية لقد كانت لحظة استثنائية اختلط فيها الوعي بالتاريخ والذاكرة بالأمل والإنسان بأرضه والشعب بقضيته كان المشهد وكأن الجنوب بكل ما يحمله من حكايات طويلة وآلام عميقة وأحلام مؤجلة قد قرر أن يظهر دفعة واحدة في صورة شعب كامل خرج ليقول للعالم ما تزال هنا إرادة لا تنكسر وهوية لا تموت وقضية لا يمكن تجاوزها.

ثمة أحداث لا تقاس بعدد الحاضرين فقط لأن الأرقام مهما تضخمت تبقى عاجزة عن تفسير المعنى الحقيقي للحشود حين تتحول إلى حالة وجدانية عامة فالقيمة الحقيقية للأحداث الكبرى لا تكمن في الكثافة البشرية وحدها بل فيما تتركه من أثر عميق داخل الوعي الجمعي وفي الرسائل التي تحملها بصمتها التاريخية إلى الحاضر والمستقبل معا ولهذا فإن مليونية سيئون لم تكن مجرد تجمع سياسي عابر بل كانت أقرب إلى لحظة استعادة شعب لصورته الحقيقية بعد سنوات طويلة من محاولات الإنكار والتشويه والتهميش.

لقد خرج الناس اليوم لا لأنهم تلقوا دعوة للحضور فقط بل لأن شي عميق في داخلهم كان يدفعهم نحو الساحات كان هناك شعور داخلي بأن هذه اللحظة تتجاوز حدود السياسة اليومية وأن الوقوف في الساحات لم يعد مجرد مشاركة في فعالية بل مشاركة في كتابة معنى الوجود الوطني ذاته وكأن الذاكرة الجنوبية بكل ما تختزنه من تضحيات وأحلام وآلام كانت تسير مع الناس خطوة بخطوة تدفعهم نحو الميدان ليعيدوا التأكيد أن الشعوب قد تتعب لكنها لا تنسى وقد تتعثر لكنها لا تموت.

حين احتشدت الجماهير في سيئون لم تكن تملي الفراغ الجغرافي للساحات فقط بل كانت تملي أيضا فراغ طويل من محاولات التشكيك بإرادة الناس وقدرتهم على الاستمرار لقد بدا المشهد وكأنه رد تاريخي عميق على كل من ظن أن الزمن قادر على إضعاف القضايا العادلة أو أن الضغوط السياسية والمعيشية يمكن أن تُطفئ جذوة الانتماء في النفوس فقد أثبتت الجماهير اليوم أن الهوية حين تتحول إلى إيمان جماعي تصبح أقوى من كل الظروف وأكثر رسوخا من كل الحسابات السياسية المؤقتة.

ولهذا بدت المليونية وكأنها لحظة استعادة للذات الجنوبية بكل أبعادها الوطنية والتاريخية والإنسانية لم تكن مجرد مناسبة للتعبير السياسي بل كانت مساحة شعر فيها الناس أنهم يعودون إلى أنفسهم إلى ذاكرتهم الأولى إلى ذلك الإحساس العميق بالانتماء لوطن لا يرونه مجرد حدود جغرافية بل كرامة ومعنى وهوية ومستقبل.

لقد كان نجاح المليونية اليوم نجاح تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى نجاح لم يصنع بخطاب واحد ولا بجهة واحدة ولا بشخص واحد مهما كان حضوره وتأثيره بل كان ثمرة جهد جماعي آمنت فيه الجماهير بأن الوطن مسؤولية الجميع وأن القضايا الكبرى لا يحملها الأفراد وحدهم بل تحملها الشعوب حين تتوحد حول فكرة واحدة وإرادة واحدة ومصير واحد.

ولهذا فإن النجاح الحقيقي لهذه المليونية لا يمكن نسبه لطرف بعينه لأنه نجاح لكل من حضر ولكل من ساهم ولكل من عمل بصمت بعيد عن الشبحات والعرضات والهياط ولكل من تحرك ليل ونهار من أجل إنجاح هذا الحدث التاريخي.

النجاح هنا لم يكن نجاح تنظيم فعالية فقط بل نجاح فكرة استطاعت أن تجمع الناس حولها رغم كل التحديات ونجاح قضية ما تزال تمتلك القدرة على تحريك الوجدان الشعبي وإعادة بث الروح في النفوس.

لقد كان واضح في سيئون أن الناس لم يخرجوا ليؤكدوا حضورهم السياسي بس بل خرجوا أيضا ليحموا ذاكرتهم الوطنية من التلاشي فالشعوب التي تفقد ذاكرتها تفقد قدرتها على صناعة المستقبل لأن المستقبل في جوهره ليس إلا امتداد حي لذاكرة تعرف ماذا تريد وماذا دفعت من أجل ما تريد أما الشعوب التي تحتفظ بذاكرتها حية فإنها تبقى قادرة على النهوض مهما تعثرت، وقادرة على الوقوف مهما اشتدت العواصف من حولها.

ولهذا كانت ذكرى إعلان عدن التاريخي حاضرة بقوة في وجدان الجماهير اليوم ليس باعتبارها مجرد مناسبة سياسية عابرة بل باعتبارها لحظة مفصلية أعادت تشكيل الوعي الجنوبي ومنحت الناس شعور بأنهم قادرون على التعبير عن أنفسهم بإرادتهم الحرة فبعض اللحظات في حياة الشعوب تتحول إلى نقاط تحول نفسية وتاريخية تبقى حاضرة في الوجدان الجمعي لأنها صنعت فرق حقيقي في نظرة الناس لأنفسهم ولمستقبلهم.

إن تجديد العهد والتفويض للرئيس القائد عيدروس الزبيدي لم يكن مجرد ترديد لشعارات سياسية محفوظة بل بدا وكأنه تعبير عميق عن رغبة جماعية في الاستمرار بالطريق الذي اختاره الناس لأنفسهم.

فحين تمنح الجماهير ثقتها لقيادة ما فإنها لا تمنح شخص فقط بل تمنح فكرة ومشروع ورؤية ترى فيها انعكاس لأحلامها الوطنية وآمالها المستقبلية ومن هنا اكتسبت المليونية معناها الأعمق بوصفها لحظة التقاء بين القيادة والشعب ضمن إطار قضية واحدة وهوية واحدة ومصير واحد.

ولعل أكثر ما منح هذا الحدث عظمته هو ذلك الشعور الجمعي الذي ساد الساحات حيث اختفت الفوارق الصغيرة أمام الفكرة الكبرى وتحول الناس إلى حالة وطنية واحدة ففي اللحظات الوطنية الكبرى تتراجع التفاصيل الثانوية ويشعر الجميع أنهم جزء من شيء أكبر منهم جميعا وفي مثل هذه اللحظات تدرك الشعوب أن قوتها الحقيقية لا تكمن في العدد فقط بل في قدرتها على الاتحاد حول قضية تؤمن بها.

فالأوطان لا تبنى بالخوف ولا تستمر بالكراهية بل تبنى بالإيمان المشترك بفكرة الوطن نفسه والإيمان هنا ليس مجرد شعور عاطفي مؤقت بل وعي عميق بأن الأوطان العظيمة تحتاج إلى شعوب تعرف كيف تحافظ على ذاكرتها وتتمسك بحقها في الحلم مهما كانت التحديات.

لقد كانت سيئون اليوم أكبر من مدينة تحتضن فعالية جماهيرية كانت مساحة رمزية اجتمع فيها الماضي بالحاضر والتاريخ بالمستقبل والذاكرة بالأمل كانت الساحات تقول بصمت عميق إن الجنوب العربي ما يزال حيًا في قلوب أبنائه وإن الشعوب التي تعرف طريقها لا تضيع مهما حاولت العواصف أن تربك اتجاهها أو تؤخر خطواتها.

وفي الحقيقة فإن النجاح الكبير للمليونية لا يمكن اختزاله في الصور أو الأعداد أو المشاهد الإعلامية فقط، لأن القيمة الحقيقية للأحداث الوطنية الكبرى تكمن في قدرتها على إعادة بث الروح داخل المجتمعات وهذا ما حدث فعلا اليوم حيث شعر كثيرون أن القضية الجنوبية ما تزال قادرة على جمع الناس حولها وأن الإيمان بالمستقبل لا يزال حاضر رغم كل الصعوبات والتحديات والأزمات.

لقد أثبت أبناء وادي وصحراء حضرموت اليوم أنهم جزء أصيل من هذه المسيرة الوطنية وأن حضرموت لم تكن بيوم من الايام بعيدة عن نبض الجنوب وقضايا بل كانت دائم حاضرة في قلب المشهد تؤكد أن الهوية الجنوبية ليست شعار عابر بل حالة تاريخية وثقافية وإنسانية متجذرة في الوعي الشعبي.

كما أثبتت الجماهير اليوم أن الشعوب حين تؤمن بقضيتها تستطيع أن تحول الساحات إلى تاريخ والهتافات إلى ذاكرة والحشود إلى مستقبل وطن كامل فالمستقبل لا تصنعه الجغرافيا وحدها بل تصنعه الإرادة الجماعية حين تتحول إلى قوة معنوية قادرة على الاستمرار مهما تبدلت الظروف
وفي النهاية ستظل مليونية سيئون أكثر من مجرد ذكرى سياسية عابرة ستبقى لحظة قالت فيها الجماهير كلمتها بوضوح وثقة وأكدت أن الجنوب العربي ما يزال حاضر في وجدان أبنائه وأن القضايا العادلة لا تسقط بالتقادم وأن الشعوب التي تعرف معنى الانتماء لا يمكن أن تتخلى عن أحلامها مهما طال الطريق.

وسيظل نجاح هذه المليونية نجاح للجميع لكل يد ساهمت ولكل صوت ارتفع ولكل قلب آمن أن الأوطان العظيمة لا يصنعها المتفرجون بل الشعوب التي تقرر أن تكون جزء من تاريخها لا مجرد شاهد عليه.

إغلاق