حين يُهان المعلّم… يُهدم الوطن بصمتصرخة في وجه التواطؤ على انهيار التعليم
بقلم | أحمد عبدالقادر بن الشيخ أبوبكر
لا أكتب لأكرّر وجعًا مستهلكًا، ولا لأضيف ضجيجًا إلى ضجيج، بل لأطلق صرخة صادقة في وجه واقعٍ يتآكل بصمت. صرخة تقول إن معاناة المعلّم ليست شأنًا فئويًا، بل جرحٌ يمسّ كل بيت، ويهدد منظومة القيم قبل أن يهدد قاعات الدراسة.
ما يجري في قطاع التعليم لم يعد أزمة عابرة، بل انهيارٌ متدرّج يضرب في عمق المجتمع، ويعبث بمستقبله. ليس صدفةً ولا ظرفًا طارئًا، بل ملامح استهدافٍ صامت للعقل، ولأهم ركائز بناء الأوطان: التعليم.
المعلّم، الذي كان رمز الهيبة وحامل الرسالة، تحوّل إلى ضحية بين مطرقة الإهمال وسندان التذمّر.
سلطةٌ تتخلّى، ومجتمعٌ يشتكي دون أن يتحرّك. يُعاقَب إن طالب بحقّه، ويُحاصَر في لقمة عيشه، براتبٍ هزيلٍ يتأخر، ويصل منقوصًا، وكأن كرامته تفصيلٌ قابل للتأجيل.
وللمرّة الأولى، نعيش واقعًا عبثيًا يُؤخَّر فيه راتب الموظف لأشهر، وتُقتطع منه نسبٌ موجعة، في سابقةٍ تمسّ كرامة الإنسان قبل دخله، وتضرب استقراره في الصميم. كيف يُنتظر من معلّمٍ أن يبني عقولًا، وهو عاجزٌ عن تأمين أساسيات حياته؟
أما البيئة التعليمية، فقد تحوّلت من حاضنةٍ للعلم إلى عبءٍ ثقيل.
مدارس منهكة، ميزانيات شبه معدومة، بنية متآكلة، وإمكانات لا تليق بأبسط مقومات العملية التربوية. بل إن المفارقة المؤلمة أن الجهات المعنية لم تعد تدعم، بل باتت تُثقل كاهل المدارس بأعباء إضافية، وكأنها تعاقبها على صمودها.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود المعلّم، بل تمتد لتنهك كل مفاصل المنظومة: إدارات تربوية مرهقة، كوادر مستنزفة، وضغط متواصل بلا أفقٍ للحلول.
وفي المقابل، يقف المجتمع في صمتٍ مريب؛ تكيّفٌ مع الاختلال، وتبلّدٌ في الإحساس، وتبريرٌ غير مباشر لما يحدث. وكأن انهيار التعليم لا يعنيه، أو أنه لم يدرك بعد أن الخطر لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل ببطءٍ إلى عقول أبنائه ومستقبلهم.
إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس الأزمة، بل الاعتياد عليها. حين يصبح الظلم مألوفًا، والصمت خيارًا عامًا، نكون قد دخلنا مرحلة الانحدار الحقيقي.
إن استمرار هذا التواطؤ الصامت—من أصحاب القرار، والنخب، وقادة الرأي—لا يزيد المشهد إلا ظلامًا، ويدفع بالأزمة نحو كارثة ممتدة، سيدفع ثمنها جيلٌ كامل.
إن إنقاذ التعليم لم يعد مطلبًا نقابيًا ولا رفاهية مؤجلة، بل ضرورة وجودية ومسؤولية وطنية لا تقبل التأجيل. فإما أن نعيد للمعلّم اعتباره، وننقذ ما تبقى من هذا القطاع الحيوي، أو ننتظر مستقبلًا يُصاغ بالجهل، وتُدفع كلفته من حاضرنا وأبنائنا.
والتاريخ… لا يرحم.






