بقايا الانتقالي المنحل ومحاولة تدوير مشروع متأكل.
كتب/صادق المقري/الثلاثاء/5 – 7 – 2026م
خرجت بقايا ما يُسمّى بالمجلس الانتقالي ضمن موجة ارتباك أخيرة، ليعلنوا تسمية جديدة تحمل بصمة رابطية: “مجلس الجنوب العربي”. تسمية تبدو، في ظاهرها، تغييرًا شكليًا، لكنها في جوهرها اعتراف صريح بالانكماش والتراجع.
فالدلالات هنا لا تخطئها العين؛ حين يضيق المشروع حتى ينحصر في مسمى “الجنوب العربي”، فهذا يعني أن أصحابه قد تراجعوا إلى مساحة أضيق بكثير مما كانوا عليه حتى قبل انهيار المجلس الانتقالي. لم يعد الأمر مجرد اختلاف سياسي، بل تحوّل إلى خسارة مركّبة: عسكرية على الأرض، وسياسية في الخطاب والتمثيل.
والأخطر أن هذا الطرح يعيد إحياء مرحلة تاريخية مجتزأة، كانت في الأصل لا تشمل كامل جغرافيا الجنوب، وكأن أصحابه اليوم يضعون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تاريخ الحركة الوطنية التي سعت إلى توحيد الجنوب، ومع تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بكل ما حملته من تحولات. هكذا، يتحول مشروع “الجنوب العربي” إلى مجرد خيار محدود داخل طيف الحراك الجنوبي، لا أكثر.
أما الحديث عن “تفويض شعبي” لاستعادة ما قبل 1990، فقد سقط فعليًا، ليس فقط بفعل الهزيمة العسكرية، بل أيضًا مع انكشاف محدودية التمثيل، وانتهاء أدوار الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم الإمارات. لم يعد بالإمكان تسويق وهم تمثيل الجنوب أو احتكار قضيته.
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة لعودة الفاعلين السياسيين الحقيقيين، ومكونات الحراك الجنوبي، إلى الواجهة. وهنا تحديدًا، يقف الحزب الاشتراكي اليمني أمام اختبار تاريخي: إما أن يستعيد موقعه كحامل أمين للقضية الجنوبية، أو يترك الفراغ لخطابات مشتتة ومشاريع منكمشة.
المطلوب اليوم ليس اجترار الماضي، بل تحديث الرؤية، وصياغة مشروع وطني يعالج القضية الجنوبية ضمن إطار مسؤولية شاملة تجاه اليمن كله، شمالًا وجنوبًا. وعلى الحزب الاشتراكي أن ينهض للدفاع عن إرثه السياسي، وهويته، وتاريخ الحركة الوطنية التي كان وريثًا لها، وأن يستعيد دوره في بناء مشروع وطني حقيقي، دفع ثمنه خيرة رجاله عبر عقود من النضال.
ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف على تسميات، بل صراع على المعنى والاتجاه. وبين مشروع يتقلص، وآخر يُفترض أن يتجدد، ستتحدد ملامح المرحلة القادمة.






