اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

أزمة الكرامة في العمل الإغاثي

أزمة الكرامة في العمل الإغاثي

بقلم| المحامي | نوح يسلم سالم
الثلاثاء 5 مايو 2026م

لا شك أن العمل الإغاثي أمر محمود، وشيء عظيم النفع، وجزيل الفضل، لما فيه من تخفيف من معاناة الفقراء، لأن كل مساعدة تخفف من كاهل العوز على المحتاج.

وتتجلى أهمية المساعدات في أوقات الشدائد والأزمات والحروب والمجاعات الناتجة عن أضرار خارجة عن إرادة البشر، فكل أنواع المساعدات تكتسب أهمية متى وجد العوز لها.

كما أن لكل انسان حق في أن يعيش بعزة نفس وبكرامة، لما لها من أهمية وقيمة عليا تسمو على كثير من الحقوق والحريات، وتعتبر الكرامة مبدأ انساني اتفقت عليه المواثيق والمعاهدات والدساتير الدولية على حدٍ سواء، فهو حق من الحقوق اللصيقة بالشخص، أي حق غير مكتسب  بل يمنح للشخص منذ ولادته بقوة الشرع والقانون، فبالتالي لا يجوز التنازل عن هذا الحق.
ولهذا اعتبرت ظاهرة التسول جريمة في أغلب التشريعات الجنائية، لأن هذا الفعل يريق ماء وجه الإنسان كما أنه يخرم اعتباره وسمعته، فالتنازل عن حق الكرامة غير مقبول قانوناً ولو بإرادة الشخص.

أما عن الصور التي تمس خصوصية الشخص وتظهره في موقف الفاقة، بل وتتفنن بعض المؤسسات والجمعيات في التقاط الصورة الأكثر خدشاً لكرامة مستلمي المساعدات، واظهارهم بأسواء حال، لهو شيء لا يقره شرع ولا قانون.

لا أريد التعرض لأسماء الجمعيات والمؤسسات الاغاثية، بل حديثي هنا عن من يتاجر في حاجة الناس باسم البر والاحسان.

يحدثني أحدهم أنه أتى إليه أحد مندوبي الجمعيات الاغاثية لإعطائه سلة غذائية، فلما أخذها وهمَّ بالرحيل قاله انتظر.. نأخذ لك صورة وانت حامل السلة.. فترك الرجل ما بيده، وقال كرامتي أغلى من سلة غذائية. ويقول آخر، لست راضياً بهذه الصورة؛ ولكنها الفاقة وضيق الحال.

أتذكر أنني حينما كنت ادرس في المدرسة الاعدادية لاحظت أن بعض زملائي يأتون بالكتب المدرسية مجردة من غير حقيبة، وعندما سألت أحدهم لماذا لا تحظر الحقيبة تلك التي احضرتها بداية العام الدراسي والتي عليها شعار الجهة المانحة؛ قال لي الطلاب ينظرون إليَّ وإلى عائلتي أنها متكففه لما في أيدي الناس…

وتذكر بعض التقارير الصحفية أن المانحين يطلبون التوثيق، ولا يشترطون كيفية محددة للتوثيق، فتجتهد بعض الجمعيات بنشر الصور لزيادة رضا المانح وكذا لاستقطاب مانحين جدد على حساب كرامة المحتاجين؛ فكأن امتهان كرامة الانسان مادة دسمة للترويج لنفسها وليلمع نجمها فيه هذا المجال.

وقد أقر المشرع اليمني جريمة استغلال الحاجة في المادة 317عقوبات، وعلى هذا فكل من وقع ضحية لهذا الفعل المشين، فإن له أن يقدم شكوى إلى الجهات القضائية لإنصافه من هذا الفعل البشع.

اقرت مجموعة من المنظمات الإنسانية وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مشروع اسفير ، والميثاق الانساني الخاص به، الذي تقر فيه مجموعة من المبادئ الأساسية التي تنظم عمل المؤسسات الإغاثية، وابرز هذه لمبادئ  “التزام المؤسسة بتقديم المساعدات حسب أولوية الحاجة الانساني، وعدم استخدام المعونة لدعم موقف سياسي، واحترام ثقافات وتقاليد المتضررين، والاعتراف ضمن الأنشطة الإعلامية بضحايا الكوارث أو النزاع، كبشر ذوي كرامة وليسوا أشياء يائسة”.
أما بالنسبة للبديل عن التوثيق بالصورة أخذ توقيع مستلم المساعدات مع البيانات اللازمة للتوثيق، وتشكيل لجنة رقابية من المانحين أو من طرف اخر يتأكد من وصول المساعدات لمستحقيها. صحيح أن هذه الطريقة معقدة ومتعبة ومكلفة نوعاً ما إلا أنها تحفظ كرامة الشخص ولا تمس باعتباره، فإذا اراد الداعم أن يوصل صدقته من غير مَن ولا أذى؛ عليه أن يشترط على الجهة الوسيطة –جمعية أو منظمة- أن يوصلوا المساعدات بطريق يحفظ عفة المحتاج.

إغلاق