اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الهجرين… حين يتأخر الاعتراف وتتكلم المدن

الهجرين… حين يتأخر الاعتراف وتتكلم المدن

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : عدنان بن عفيف
29 ابريل 2026

في وادي دوعن، حيث تتكئ الجبال على ذاكرةٍ لا تشيخ، تقف الهجرين كمدينةٍ لا تحتاج إلى من يعرّف بها، بل إلى من ينصفها. ليست حكايتها نقصاً في القيمة، بل فائضاً في التأجيل.
هنا، لا يبدو الزمن عدواً، بقدر ما يبدو شاهداً صامتاً على بطء القرارات. منذ عام 2006، حين صدر قرار رسمي بحماية الهجرين كموقع ذي قيمة ثقافية، كان يفترض أن تبدأ مرحلة مختلفة: توثيق، تأهيل، وإعداد ملف متكامل يمهّد لإدراجها ضمن قائمة التراث العالمي لدى UNESCO. غير أن ما حدث هو العكس تقريباً؛ بقي القرار عنواناً بلا تنفيذ، وبقيت المدينة في منطقةٍ رمادية بين الاعتراف النظري والإهمال العملي.
الهجرين ليست مجرد مبانٍ طينية شاهقة، بل بنية سردية كاملة. في نقوشها المسندية، تُقرأ طبقات من التاريخ لا تزال حية. وفي موقعها فوق المرتفع الصخري، تتجلى فلسفة البقاء التي صاغها الإنسان القديم بوعيٍ دفاعي وجمالي في آن. أما حضورها في الذاكرة الأدبية، حيث ارتبطت بالشاعر امرؤ القيس، ومرّت في إشارات المؤرخ ابن خلدون، فيمنحها بعداً يتجاوز حدود المكان إلى فضاء الثقافة العربية الأوسع.
ومع كل هذا، لا تزال الهجرين خارج القائمة العالمية، بينما سبقتها مواقع يمنية أخرى مثل مدينة شبام وجزيرة سقطرى. المقارنة هنا ليست للمفاضلة، بل لكشف المفارقة: كيف يمكن لموقع يمتلك عناصر الأصالة والتفرّد والاستمرارية أن يظل مؤجلاً؟ الإجابة لا تكمن في غياب المعايير، بل في غياب استكمالها. فـ UNESCO لا تنظر إلى القيمة التاريخية وحدها، بل إلى منظومة متكاملة تشمل إدارة الموقع، وخطط الحماية، واستدامة الهوية العمرانية. وهذه العناصر، رغم وضوحها، لم تتحول بعد إلى مشروع تنفيذي متماسك.
الأخطر من ذلك أن الهجرين تواجه اليوم تحدياً يتجاوز التأجيل الإداري، إلى تهديد مباشر لهويتها. الزحف العمراني العشوائي، واستبدال مواد البناء التقليدية بمواد حديثة، لا يغيّران شكل المدينة فقط، بل يعيدان تشكيلها خارج سياقها التاريخي. وعندما تفقد المدن لغتها المعمارية، فإنها تفقد قدرتها على تمثيل نفسها. ليس الخراب دائماً انهياراً فجائياً؛ أحياناً يبدأ بتفاصيل صغيرة، بإضافةٍ لا تبدو خطيرة، ثم تتكرر حتى يصبح التغيير واقعاً لا يمكن التراجع عنه.
في الهجرين، هذا المسار بات ملموساً، ويهدد أحد أهم شروط الإدراج العالمي: الأصالة. ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى الهجرين بمعزل عن محيطها. فالوادي الذي يحتضنها، وأشجار السدر التي تشتهر بإنتاج أجود أنواع العسل، يشكلان معاً منظومة ثقافية وبيئية متكاملة. هذه العلاقة بين الإنسان والمكان ليست تفصيلاً هامشياً، بل عنصر قوة يمكن أن يعزز من ملفها العالمي إذا ما أُحسن توثيقه وإدارته.
اليوم، لم يعد السؤال: هل تستحق الهجرين أن تُدرج؟ السؤال الحقيقي: لماذا لم يحدث ذلك حتى الآن؟ ما الذي يمنع إعداد ملف ترشيح متكامل؟ ما الذي يؤخر تفعيل إدارة موقع قادرة على الحماية؟ ولماذا لا يُتخذ قرار واضح بوقف التشويه العمراني قبل فوات الأوان؟ هذه الأسئلة لا تبحث عن إجابات نظرية، بل عن إرادة تنفيذية. لأن كل تأخير إضافي لا يعني فقط بقاء الملف معلقًا، بل يعني أيضاً فقدان جزء من المدينة كما كانت. الهجرين لا تطلب امتيازاً خاصاً، بل حقاً طبيعياً في الاعتراف. لا تبحث عن مجدٍ جديد، بل عن تثبيت مجدٍ قائم. وإذا كان التاريخ قد منحها القدرة على البقاء، فإن الحاضر مطالب بأن يمنحها ما هو أبسط: قراراً يحفظ هذا البقاء.

نقلآ عن اندبندنت عربية

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق