علماء حضرموت وإعادة تشكيل المجال الاجتماعي: مقاربة استراتيجية في بناء التسامح وتعزيز رأس المال الحضاري
تاربة ــ اليوم /كتابات واراء
بقلم: البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ
29 إبريل 2026م
يمثل الحضور العلمي الميداني لعلماء الدين في بلاد حضرموت أحد أبرز تجليات الفعل الحضاري المتجدد في المجتمعات العربية والإسلامية، إذ لم يعد هذا الحضور مجرد نشاط وعظي تقليدي، بل غدا أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وترميم البنية القيمية، وتعزيز التماسك الاجتماعي في سياقات تتسم بتعقيد التحولات وتزايد التحديات. وفي هذا الإطار، تبرز الزيارة العلمية والدعوية إلى منطقة القزة (دَمُّون التاريخية) وضواحيها بوصفها نموذجًا نوعيًا مكثفًا لهذا الفعل، حيث تتقاطع فيها الأبعاد العلمية والروحية والاجتماعية ضمن رؤية ضمنية تعيد الاعتبار لدور علماء الدين بوصفهم فاعلين مركزيين في بنية المجتمع.
إن علماء حضرموت، عبر امتدادهم التاريخي، لم يكونوا مجرد حملة معرفة شرعية، بل اضطلعوا بوظيفة أعمق تمثلت في بناء التوازن الاجتماعي وإدارة التحولات القيمية، مستندين إلى إرث علمي وروحي راسخ أسهم في تشكيل منظومة متكاملة من القيم القائمة على الاعتدال، والتسامح، والتعايش، وقبول الاختلاف. وقد منحهم هذا الإرث قدرة استثنائية على لعب دور الوسيط الثقافي والاجتماعي، القادر على إعادة ضبط العلاقات داخل المجتمع، وتوجيه السلوك الجمعي في اتجاهات أكثر اتزانًا وانسجامًا.
ومن منظور تحليلي، يمكن قراءة الزيارة العلمية إلى القزة (دَمُّون) بوصفها آلية فاعلة لإعادة إنتاج (رأس المال الاجتماعي)، بما ينطوي عليه من شبكات الثقة والتعاون والمعايير المشتركة. فالمجالس العلمية، واللقاءات المفتوحة، والتواصل المباشر بين علماء الدين ومختلف فئات المجتمع، ليست مجرد أنشطة شكلية، بل تمثل أدوات عملية لإعادة بناء الثقة، وتقليص الفجوات الاجتماعية، وتعزيز الانتماء، بما يفضي إلى إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي على أسس أكثر صلابة وتماسكًا.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية مضاعفة من خلال ما تعكسه من تكامل عضوي بين القيادة العلمية والقيادة المجتمعية، حيث تتلاقى السلطة الرمزية للعلماء مع الفعل التنظيمي للقيادات المحلية، في نموذج متقدم للعمل الجماعي المنظم. وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للشيخ محفوظ سالم طالب البطاطي، شيخ قبيلة آل البطاطي، الذي جسد من خلال دعوته الكريمة لهذه الزيارة نموذج المبادرة المجتمعية الواعية القادرة على استدعاء الفعل العلمي وتوظيفه في خدمة المجتمع، فله جزيل الشكر والتقدير على هذه المبادرة المباركة، كما يُسجَّل الشكر موصولًا لكل القائمين على هذه الزيارة والداعمين لها والمساهمين في إنجاحها بمختلف صور الدعم والتنظيم.
كما يتجلى الحضور العلمي الرفيع في مشاركة المنصب الجليل علي بن حسن بن أحمد بن علي بن سالم بن الشيخ أبي بكر بن سالم، منصب مدينة عينات، بما يمثله من امتداد علمي وروحي عميق في البنية الحضرمية، إلى جانب العلامة الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ، الذي يجسد نموذج العالم الداعية القادر على الجمع بين التأصيل العلمي والتأثير المجتمعي الفاعل، في صورة تعكس التكامل بين المرجعية العلمية والوظيفة الإصلاحية.
وفي قلب هذا الحراك، تتبدى قيمة (النصح) بوصفها وظيفة اجتماعية استراتيجية تتجاوز بعدها الوعظي إلى دور إصلاحي مباشر، يسهم في معالجة التباينات، وتقريب وجهات النظر، وإعادة توجيه السلوك العام. فالعالم، في هذا السياق، لا يؤدي دور المُبَلِّغ فحسب، بل يمارس وظيفة المصلح الاجتماعي الذي يستند إلى شرعية معرفية وخبرة واقعية، ما يمنحه قدرة عالية على التأثير وإحداث التحول في البنية القيمية والسلوكية للمجتمع.
أما من الناحية الحضارية، فإن القزة (دَمُّون التاريخية) تتحول في سياق هذه الزيارة إلى فضاء دلالي حي، يعكس استمرارية الفعل الثقافي الحضرمي، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في مشهد يعيد إنتاج الهوية ويؤكد رسوخها. ولا يقف هذا الأثر عند حدود المكان، بل يمتد إلى مدينة الهجرين التاريخية وضواحيها، بما يعزز حضور هذه الجغرافيا في الوعي الجمعي، ويعيد إدماجها ضمن الحراك الثقافي والاجتماعي العام، في صورة تعكس دينامية الهوية الحضرمية وقدرتها على التجدد.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الزيارة في قابليتها للتحول من حدث ظرفي إلى مشروع مستدام، قادر على إنتاج أثر بعيد المدى في بنية المجتمع، وذلك من خلال تطوير برامج علمية وتربوية متواصلة، وتعزيز قنوات التواصل بين علماء الدين والمجتمع، وبناء شراكات فاعلة بين مختلف مكونات البنية الاجتماعية. إن هذا التحول يمثل مدخلًا لإعادة توزيع الفعل الثقافي داخل حضرموت، بما يضمن شمولية التأثير ويحد من تمركزه في نطاقات محدودة، الأمر الذي يسهم في تحقيق قدر أعلى من التوازن المعرفي والاجتماعي.
وفي المحصلة، فإن الزيارة العلمية إلى القزة (دَمُّون) تمثل نموذجًا متقدمًا للقوة الناعمة التي يمكن أن يمارسها علماء الدين في سياقهم المجتمعي، حيث يتحول الحضور العلمي إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي، وتعزيز وحدة النسيج الاجتماعي، وصناعة المعنى في حياة الأفراد والجماعات. وهي، في عمقها، تعبير عن قدرة حضرموت – بتاريخها العلمي العريق – على إنتاج نموذج حضاري متوازن، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويؤسس لمستقبل قائم على التسامح، والتكامل، والاستقرار.
وبذلك، تغدو هذه الزيارة لحظة مفصلية في مسار الفعل الحضاري الحضرمي، حيث تتحول القزة (دَمُّون) من مجرد موقع جغرافي إلى مركز إشعاع معرفي واجتماعي، يعيد تأكيد العلاقة العضوية بين العلم والمجتمع، ويجسد جوهر الرسالة التاريخية لعلماء الدين في بلاد حضرموت بوصفهم حملة مشروع أخلاقي وإنساني متجدد، يستمد قوته من أصالته، ويستشرف آفاقه في المستقبل.






