حوار الطرشان بين واشنطن وطهران… ومضيق هرمز الذي قد يوحّد العالم ضد العبث الإيراني
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
28 ابريل 2026
منذ سنوات طويلة، والعالم يشاهد المشهد ذاته يتكرر بين الولايات المتحدة وإيران؛ جولات تفاوض لا تنتهي، تصريحات نارية، رسائل تهديد متبادلة، ثم هدوء مؤقت يعقبه توتر جديد. حتى أصبح واضحًا أن الأزمة لم تعد أزمة حلول، بل أزمة إدارة وقت، وأن بعض الأطراف تفاوض فقط لكي تشتري مزيدًا من الزمن وتراكم مزيدًا من المكاسب.
الرفض الإيراني المتكرر للمطالب الأمريكية، سواء فيما يتعلق بالملف النووي أو النفوذ الإقليمي أو أمن الملاحة البحرية، يكشف أن طهران ما زالت تتعامل مع المفاوضات بوصفها وسيلة للمناورة، لا طريقًا للتسوية الحقيقية. فهي تدخل الحوار ثم تعود إلى النقطة ذاتها، وكأن الهدف ليس الوصول إلى اتفاق، بل إبقاء الأزمة معلقة واستثمارها سياسيًا وإعلاميًا.
لكن المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة، لأن العالم اليوم يعيش ظروفًا اقتصادية دقيقة، وأسواق الطاقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الارتباك، والتجارة الدولية لا يمكن أن تبقى رهينة تهديدات متكررة أو حسابات ضيقة. وهنا يبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط والطاقة، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على الأسعار والأسواق وسلاسل الإمداد.
ولهذا فإن العالم لن ينتظر ما يشبه “مكرمة” من أي طرف للسماح بحرية الملاحة أو فتح الممرات البحرية. فهذه ليست منحة تُعطى وتُمنع، بل حق دولي ثابت تكفله القوانين والأعراف الدولية. وإذا استمرت لغة التهديد أو استخدام المضيق كورقة ابتزاز سياسي، فإن حتى الدول التي أبدت في السابق شيئًا من التعاطف مع إيران ستجد نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في مواقفها.
فالدول قد تتفهم الخلافات السياسية، لكنها لا تتفهم تهديد مصالحها الحيوية. وعندما تصل الأزمة إلى الناقلات، وأسعار الوقود، وحركة التجارة، واستقرار الاقتصاد العالمي، فإن لغة المجاملات تتراجع، وتحل محلها لغة المصالح والقرارات الحاسمة.
ومن هنا، فإن احتمال تحرك مجلس الأمن الدولي لإصدار قرار واضح يدين أي تهديد لحرية الملاحة في مضيق هرمز لم يعد احتمالًا بعيدًا كما يتصور البعض، خاصة إذا ثبت أن المفاوضات ليست سوى غطاء للمماطلة وكسب الوقت. فالمجتمع الدولي قد يختلف في ملفات كثيرة، لكنه يتفق سريعًا حين تُمس مصالحه الكبرى.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، يبرز الدور السعودي بوصفه النموذج الأهدأ والأكثر حكمة واتزانًا. فالمملكة العربية السعودية لم تكن يومًا دولة تبحث عن الضجيج الإعلامي، بل دولة تعمل بصمت، وتقرأ الأحداث بعمق، وتتحرك وفق حسابات الدولة المسؤولة لا وفق الانفعالات العابرة.
الحكمة السعودية تظهر في قدرتها على الجمع بين الحزم والهدوء، وبين الاستعداد الكامل والدعوة المستمرة إلى الاستقرار. فهي تدرك أن المنطقة لا تحتاج مزيدًا من الحرائق، بل تحتاج إلى عقل يطفئ الأزمات قبل اتساعها، ويحمي أمن الطاقة، ويمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة سيدفع الجميع ثمنها.
ولهذا بقيت المملكة محل احترام العالم وثقته، لأن مواقفها لا تقوم على الشعارات، بل على رؤية واضحة ومصالح مستقرة وسياسة بعيدة المدى. بينما ينشغل آخرون بالمكابرة والمناورة، تنشغل السعودية ببناء المستقبل وتعزيز الأمن الإقليمي والدولي.
إن العالم يقف اليوم أمام اختبار حقيقي: إما فرض احترام القانون الدولي وحرية الملاحة، أو السماح لسياسة الابتزاز بأن تتحكم في رقاب الشعوب والاقتصادات. وبين هذا وذاك، يبقى صوت الحكمة السعودية هو الأكثر اتزانًا، لأنه يعرف متى يصبر، ومتى يتحرك، ومتى يحسم.
وفي النهاية، من يفاوض فقط ليكسب الوقت، قد يكتشف أن الوقت نفسه أصبح ضده.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






