من داخل الجدران قصة ضياع تحت ضغط الأسرة
بقلم / رمزي الجابري
الثلاثاء 28 ابريل 2026
في كثير من البيوت اليوم لم يعد المنزل ذلك المكان الذي يجد فيه الشاب الأمان والاحتواء بل أصبح أحيانًا مصدر ضغط مستمر يدفعه للهروب بدل المواجهة الشاب حين يخطئ لا يحتاج إلى من يزيد عليه القسوة بل إلى من يفهمه ويحتويه ويوجهه لكن ما يحدث في بعض الأسر هو العكس تمامًا يتحول الخطأ إلى تهمة والنصيحة إلى توبيخ والاهتمام إلى رقابة خانقة وكأن الهدف هو السيطرة لا التربية وكأن الخطأ نهاية الطريق لا بدايته
الضغط العائلي داخل البيت يمكن أن يكون أقسى من أي ضغط خارجي لأنه يأتي من أقرب الناس حين يشعر الشاب أو الشابة أنهم غير مسموعين وأن كل ما يفعلونه يُقابل بالانتقاد أو السخرية أو التقليل من شأنهم يبدأون بالانسحاب تدريجيًا من هذا الجو المشحون ويبحثون عن مكان آخر يجدون فيه القبول حتى لو كان هذا المكان هو الشارع بكل ما يحمله من مخاطر هناك قد يجدون من يستمع لهم أو من يشاركهم نفس الضياع أو حتى من يشجعهم على الخطأ فيرتاحون مؤقتًا لكنهم في الحقيقة يدخلون في دائرة أوسع من المشاكل ويبدأ ضياع الشباب والشابات بشكل أكبر وأسرع
وفي كثير من الأحيان لا يكون الضياع فجأة بل يبدأ بخطوات صغيرة إهمال بسيط ثم غياب متكرر ثم صحبة غير مناسبة ثم سلوكيات خاطئة تتراكم مع الوقت وكل ذلك يحدث بينما الأهل يركزون فقط على العقاب أو اللوم دون محاولة فهم السبب الحقيقي وراء هذا التغير ودون محاولة احتواء أبنائهم وبناتهم قبل أن يبتعدوا أكثر
المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد بل تمتد حين يلوم الأهل أبناءهم وبناتهم على النتائج دون أن يعترفوا بدورهم في دفعهم إلى هذا الطريق يقولون أنت ضيعت نفسك وأنت اخترت هذا ويتجاهلون أن الشاب أو الشابة حين لم يجدوا الأمان في بيتهم بحثوا عنه خارجه وأن القسوة الزائدة أو الإهمال أو المقارنة بالآخرين كانت سببًا رئيسيًا في كسر ثقتهم بأنفسهم وفي دفعهم للابتعاد
كما أن غياب الحوار داخل الأسرة يزيد الفجوة بشكل كبير فحين لا يجد الأبناء من يسمعهم دون حكم أو من يناقشهم بهدوء تتراكم داخلهم المشاعر السلبية من غضب وحزن وإحباط ومع الوقت تتحول هذه المشاعر إلى سلوكيات قد تكون خطيرة أو مدمرة لأن الإنسان بطبيعته يبحث عمن يفهمه ويحتويه وإذا لم يجده في بيته سيجده في مكان آخر قد لا يكون مناسبًا
وهنا يجب التذكير بحقيقة لا يمكن تجاهلها أن هؤلاء الأبناء والبنات هم من صلبكم حتى إن أخطأوا فهم جزء منكم لا يمكن التخلي عنهم ولا دفعهم بعيدًا احفظوهم وحاولوا تغيرهم للأفضل وحاولوا حل مشاكلهم بدل تركهم يواجهونها وحدهم لأن التوجيه في البداية أسهل بكثير من العلاج بعد الضياع
البيت يجب أن يكون ملاذًا لا ساحة صراع يجب أن يكون المكان الذي يشعر فيه الشاب أو الشابة أنهم مقبولون رغم أخطائهم وأن هناك دائمًا فرصة للتصحيح والتغيير هو المكان الذي يعود إليه الإنسان مهما تعب ليجد الدعم لا الاتهام وليجد الحل لا التعقيد وليشعر أن هناك من يقف بجانبه لا ضده
التربية الحقيقية لا تكون بالصراخ ولا بالعقاب المستمر بل بالتوازن بين الحزم والرحمة بين التوجيه والاحتواء بين وضع الحدود وفتح باب الحوار لأن الشدة الزائدة قد تكسر واللين الزائد قد يضيع لكن التوازن هو ما يصنع إنسانًا واعيًا قادرًا على تحمل المسؤولية
وإذا أرادت الأسر أن تحمي أبناءها وبناتها من الضياع فعليها أن تبدأ من داخل البيت بالاهتمام الحقيقي لا الشكلي بالاستماع لهم دون مقاطعة بمحاولة فهم مشاكلهم قبل الحكم عليهم وببناء علاقة قائمة على الثقة والاحترام لأن الشاب أو الشابة الذين يجدون الأمان في بيوتهم لن يبحثوا عنه في مكان آخر ولن يكون الشارع بديلًا لهم مهما كانت الظروف
ومن الأمور التي يجب التوقف عندها أن المتابعة لا تقل أهمية عن التربية نفسها فلا يكفي أن تنصح ابنك أو ابنتك ثم تتركهم دون توجيه مستمر بل تذكر دائمًا أن القرب والمتابعة تصنع فرقًا كبيرًا في حياتهم وتمنع الكثير من الانحرافات قبل أن تبدأ كما أن المسايرة لها دور كبير في تشكيل سلوك الشباب والشابات فحين يسايرون من حولهم دون وعي قد ينجرفون إلى طرق خاطئة فقط من أجل القبول أو الهروب من الضغط لذلك من المهم أن يكون هناك وعي من الأهل بمحيط أبنائهم ومن يصاحبون وكيف يفكرون لأن تركهم دون متابعة يجعل تأثير الآخرين أقوى من تأثير الأسرة ويزيد من احتمالية الضياع






