اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

لعبة احتكار السلطة من قبل اجنحة نظام صنعاء من خلال التوافق

لعبة احتكار السلطة من قبل اجنحة نظام صنعاء من خلال التوافق

بقلم | رامي غالب الكثيري
السبت 25 ابريل 2026

في عام ٢٠٠٦م جرت اخر انتخابات تنافسية في اليمن، و كانت انتخابات رئاسية و مجالس محلية في نفس الوقت، و قد حدثت في تلك الانتخابات العديد من المفاجأت، التي غيرت بعض سياسات نظام صنعاء، و أثرت على البلد و على المواطنيين.

سبق انتخابات عام ٢٠٠٦م صراع بين اجنحة النظام؛ بسبب مشروع توريث العميد/ أحمد علي عبدالله صالح للسلطة خلفاً لوالده، حيث كانت بعض اجنحة النظام تؤيد توريث السلطة لاحمد علي، و كانت تحتج على المعارضين للتوريث بان الرئيس/ علي عبدالله صالح كان الاكثر شعبية من قيادات النظام ، فقد كان يفوز باغلبية كاسحة في الانتخابات، و ان افضل شخصية يتم اعدادها لتسلم السلطة بعد الرئيس صالح هو ابنه احمد؛ لعدم وجود شخصية قيادية في النظام يمكن الرهان على شعبيتها بالفوز في الانتخابات، اما احمد علي فسوف يرث شعبية والده و يمكن الرهان عليه في المحافظة على السلطة في يد النظام. اما الاجنحة المعارضة فقد كانت ترفض حجة الاجنحة المؤيدة لتوريث احمد علي للسلطة؛ و كانت تقول: بان سبب فوز الرئيس صالح بالانتخابات باغلبية كاسحة هو وقوف جميع قيادات و اجنحة و القواعد التنظيمية للنظام الى جانب الرئيس صالح في الانتخابات، و ليس لشعبيته.

كان الرئيس صالح هو المرشح الوحيد للنظام في اي انتخابات، و كان حزبي المؤتمر و الاصلاح معاً يقومان بترشيح الرئيس صالح لخوض الانتخابات و يقدمان الدعم الكامل له للفوز بها. حتى بعض الاحزاب التي تدعي بانها احزاب معارضة كانت تأمر قواعدها التنظيمية بالتصويت للرئيس صالح، و ان كانت لا تختاره مرشحاً لها. و في انتخابات ٢٠٠٦ قررت الاجنحة المعارضة لتوريث احمد علي السلطة خلفاً لوالده، اختيار فيصل بن شملان مرشحاً لحزب الاصلاح و احزاب اللقاء المشترك، و دفع قواعد تلك الاحزاب للتصويت لبن شملان.

لم يكن هدف الاجنحة المعارضة لتوريث احمد علي للسلطة السعى لفوز بن شملان بالرئاسة، بل كانت تسعى الى ان يحصل بن شملان على الكثير من الاصوات، و ان لا يفوز الرئيس صالح باغلبية كاسحة؛ حتى تثبت ان اكتساح صالح للانتخابات السابقة ناتج عن دعم جميع اجنحة النظام له، و ليس لشعبيته؛ و ان اي شخصية اخرى سوف تكتسح الانتخابات اذا ما تم ترشيحها من قبل جميع اجنحة و قواعد النظام و من حزبي المؤتمر و الاصلاح.

كان حميد و حسين ابني الشيخ/ عبدالله بن حسين الاحمر و معهما قيادات حزب الاصلاح يقودون الحملة الانتخابية لبن شملان. و لكن خلال المعركة الانتخابية اكتشفت جميع اجنحة النظام ان اغلب الناخبين سوف يصوتون لبن شملان و ليس لعلي عبدالله صالح، و ان الشعب قد ضاق ذرعاً بالنظام و بالرئيس صالح و يرغب في التغيير. عند اذ سارع الشيخ/ عبدالله بن حسين الاحمر رئيس حزب الاصلاح، و معه الشيخ/ عبدالمجيد عزيز الزنداني رئيس مجلس شورى حزب الاصلاح بالاعلان بان علي عبدالله صالح مرشحهما في الانتخابات الرئاسية و ليس فيصل بن شملان الذي رشحه حزب الاصلاح؛ و ذلك لتوجيه رسالة لقواعد الاصلاح و الاجنحة المعارضة في النظام للتوريث بالتصويت لعلي عبدالله صالح و التوقف عن التصويت لبن شملان.

و مع ذلك فاز فيصل بن شملان في الانتخابات، حيث حصل على ثلاثة مليون و نصف المليون من اصوات الناخبين، بينما حصل علي عبدالله صالح على مليون و نصف المليون من اصوات الناخبين. و ادعى النظام حينها بان جهاز الكمبيوتر الذي تم تجميع فيه نتائج فرز الاصوات قد اخطأ و عكس النتائج، و منح بن شملان نتائج علي عبدالله صالح و منح علي صالح نتائج بن شملان، و اعلن فوز علي عبدالله صالح بالانتخابات. و قد اعترف بذلك الفريق/ علي محسن الاحمر في مقابلة تلفزيونية لاحقاً. كما رفض بن شملان تهئنة صالح بالانتخابات و قال انه مغتصب للسلطة في مقابلة صحفية. اما حزب الاصلاح و احزاب اللقاء المشترك فقد اعترفوا بفوز صالح في الانتخابات!

ادرك النظام حينها ان الشعب قد ضاق ذرعاً به و بسياسته، و اصبح راغب في التغيير، و ان شعبية الرئيس صالح و القواعد التنظيمية لمختلف اجنحة النظام لم تعد كافية للمحافظة على السلطة. و سارع النظام فور انتهاء الانتخابات الى رفع اسعار المواد الغذائية، لاعادة استخدام سياسة اخضاع الجماهير بالتجويع، كما لجأ الى سياسة افتعال الازمات السياسية بين اجنحته، تنتهي بتوقيع اتفاقات تؤدي الى تعطيل اجراء اي انتخابات، و ادارة البلد بالتوافق بين اجنحة النظام.

سياسة التجويع بهدف اخضاع الجماهير و السيطرة عليها هي سياسة قديمة بدأ باستخدامها النظام بعد استشهاد الرئيس/ ابراهيم محمد الحمدي – رحمه الله – و تقوم هذه السياسة على رفع اسعار السلع و الخدمات التي يحتاجها المواطنون، و تقديم مرتبات متدنية – لموظفي الدولة و موظفي القطاع الخاص التابع للنظام – لا تلبي احتياجات الفرد او الاسرة من السلع او الخدمات؛ الامر الذي يجعل المواطن يحتاج لمصادر اخرى للدخل. و عند اذ يقوم النظام من خلال احزابه و اجهزته الامنية و مختلف اجنحته باغراء المواطنين بالانضمام اليها مقبل الحصول على مصادر اخرى للدخل. هذه المصادر عبارة عن المرتبات و الاعاشات الشهرية و السلل الغذائية التي تقدمها الاحزاب و التنظيمات لاعضائها، بالاضافة الى عدد من المرتبات من مؤسسات الدولة يتم الحصول عليها عبر الازدواج الوظيفي. و المواطن الذي يقبل على نفسه بالانضمام لاحد اجنحة النظام للحصول على مصادر اخرى الدخل يصبح خاضعاً لها و مدافعاً عنها و يصوت لها في الانتخابات حتى و لو كان يكرهها؛ لانه يدرك بان خروج النظام او الجناح الذي ينتمي اليه من السلطة سوف تؤدي الى توقف المرتبات الشهرية التي يتلقاها عبر الازدواج الوظيفي او عبر التنظيمات؛ و سيصبح غير قادر على توفير احتياجاته و احتياجات اسرته.

و لا يمكن تحرير المواطنين من الاغلال و القيود الاقتصادية التي كبلهم بها النظام الا من خلال: رفع الحد الادنى للمرتبات و الاجور في القطاع العام و القطاع الخاص الى المستوى الذي يفي بتلبية احتيجات الموظف من السلع و الخدمات، و انها الازدواج الوظيفي في جميع مؤسسات الدولة، و العمل على تخفيض اسعار السلع و الخدمات، و الدفع بالتجار الحضارم المقيمين في الخارج للقيام بانشطة تجارية في الداخل، لكسر احتكار الجناح المالي للنظام في توفير السلع و الخدمات؛ مما يؤدي لانخفاض اسعارها.

اعود مرة ثانية للعملية الانتخابية، بعد نتائج انتخابات عام ٢٠٠٦م شعر النظام بالخطر من الانتخابات النيابية المزمع اجراءها في ٢٧ ابريل ٢٠٠٩م؛ فكان يدرك ان اجراء الانتخابات في ذلك الموعد سوف تؤدي لانتخاب برلمان من خارج النظام، و سوف تصبح الحكومة من خارج النظام. فبدأ النظام بالترويج لضرورة الغاء النظام الرئاسي البرلماني الذي تدار به البلد، و التحول الى النظام الرئاسي؛ بحجة الخوف من ان تأتي حكومة من حزب و يكون الرئيس من حزب اخر؛ فينشب صراع بين حزبي بين الرئاسة و الحكومة، كما حدث في فلسطين عندما فازت حماس في الانتخابات النيابية و شكلت الحكومة، و كانت فتح تسيطر على الرئاسة؛ فحدث صراع حركي بين الرئاسة و الحكومة. الا ان الشخصيات الوطنية رفضت هذه الحجة لالغاء النظام الرئاسي البرلماني، و اتهمت النظام بخلق الحجج لاحتكار السلطة، و طالبت بتغيير النظام الى نظام برلماني في حالة الخشية من حصول صراع بين الرئاسة و الحكومة؛ الامر الذي اجبر النظام على التراجع.

فقام النظام بافتعال ازمة سياسية لمنع حدوث الانتخابات البرلمانية، حيث رفض الاصلاح و معه احزاب اللقاء المشترك دخول الانتخابات البرلمانية بحجة ان السجل الانتخابي يحوي الكثير من الاسماء الوهمية. و بعد ذلك اتفقت تلك الاحزاب مع حزب المؤتمر على تأجيل الانتخابات البرلمانية لعامين، اي الى ٢٧ ابريل ٢٠١١م، حتى يتم اعادة تقييد الناخبين في السجل الانتخابي. و لكن لم تجري اي عملية لاعادة تقييد الناخبين في السجل الانتخابي منذ توقيع ذلك الاتفاق حتى قيام ثورة التغيير في ٣ فبراير ٢٠١١م. و لا ادري ما هي الخطط التي جهزها النظام للحيلولة دون انتخاب برلمان من خارج النظام في ٢٧ ابريل ٢٠١١م.

ما لا يدركه الكثير من المتابعين و المراقبين للشأن اليمني، و حتى عامة اليمنيين، ان قيام ثورة التغيير في ٣ فبراير كان طوق النجاة للنظام للتخلص من جميع العمليات الانتخابية منذ قيام الثورة، و التي كانت ستؤدي للاطاحة بالنظام و التخلص منه في حالة اجرائها. صحيح ان اجنحة النظام المعارضة لتوريث احمد علي السلطة خلفاً لوالده رأت في الثورة فرصة للقضاء على مشروع التوريث؛ و قامت بالانضمام للثورة في ١١ فبراير، و دعمتها و سيطرت على قيادتها. الا ان انضمام تلك الاجنحة للثورة لم يكن بهدف القضاء على مشروع التوريث فحسب، بل كان ايضاً بهدف السيطرة على قيادة الثورة و حماية النظام من خطر اسقاطه بالثورة، أو اسقاطه باجراء انتخابات بعد الثورة. حيث جرى الاتفاق على ان تدار الدولة بالتوافق بين احزاب النظام، و عدم اجراء اي عملية انتخابية، باستثناء الانتخابات الرئاسية التي تمت بمرشح توافقي من جميع احزاب و اجنحة النظام و دون منافس.

لقد اصبحت سياسة افتعال الازمات ثم اجراء الاتفقات السياسية بعدها لادارة الدولة بالتوافق بين اجنحة نظام صنعاء هي وسيلة النظام في المحافظة على السلطة و احتكارها في يده، فمن اتفاق تاجيل الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٩م، الى توقيع المبادرة الخليجية عام ٢٠١٢م، الى اتفاق السلم و الشراكة عام ٢٠١٤م، الى اتفاق الرياض عام ٢٠١٩م، الى تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام ٢٠٢٢م .. و قد استمع الجميع الى ما طالب به رئيس حزب الاصلاح/ محمد اليدومي خلال كلمة القاها في سبتمبر الماضي في ذكرى تأسيس حزب الاصلاح من اقامة سلطة توافقية طويلة الامد بعد دخول صنعاء، حتى يستعيد البلد عافيته. و الهدف ليس استعادة البلد لعافيته بل لابقاء السلطة في يد النظام، بالتوافق بين اجنحته.

مرت حتى الان ٢٣ عام على اخر انتخابات برلمانية، و ٢٠ عام على اخر انتخابات للمجالس المحلية، و ٢٠ عام على اخر انتخابات رئاسية تنافسية، و ١٤ عام على اخر انتخابات رئاسية غير تنافسية .. و لا زالت السلطة محتكرة في ايدي احزاب لا تمتلك شرعية انتخابية او شرعية شعبية للامساك بالسلطة، احزاب خرجت الجماهير لاسقاط شرعيتها في الشمال، و اسقطت شرعيتها مع شرعية نظامها في الجنوب جماهير الحراك الجنوبي الابي قبل اسقاط شرعيتها في الشمال بسنوات.

ان استمرار احتكار اجنحة نظام صنعاء للسلطة من خلال لعبة التوافق لم يعد مقبولاً، كما ان استمرار احتكار السلطة في يد النظام تعني الاستمرار في سياسة التجويع التي يمارسها النظام لاخضاع الشعب، هذه السياسية التي كلما اثبتت فشلها كلما امعن النظام في استخدمها و ضاعف من معانة الشعب على امل اخضاعه. و استمرار احتكار السلطة في يد اجنحة النظام تعني افشال جميع الجهود للاصلاح السياسي و الاداري و الاقتصادي في البلد؛ فكيف ستنجح عملية اصلاح اذا كان الممسكون بالسلطة هم من يقومون بالتخريب، كما ان استمرار احتكار السلطة في يد اجنحة النظام تعني الاستمرار في تهديد امن المنطقة و التأمر على دولها.

و على القوى الوطنية ان تعمل على انهاء احتكار السلطة من قبل احزاب نظام صنعاء، و ان تضغط على دول الوصاية على اليمن في سبيل تحقيق ذلك. و عليها ان تشرح لدول الوصاية لعبة اجنحة نظام صنعاء في احتكار السلطة من خلال التوافق، و اسبابها، و خطورتها على البلد و المنطقة؛ حتى تفهم دول الوصاية اللعبة، و تقتنع باهمية انها احتكار اجنحة النظام للسلطة.

و هناك عدة وسائل شرعية و عادلة و منطقية يمكن استخدامها من اجل انهاء احتكار السلطة من قبل احزاب و اجنحة نظام صنعاء في هذه المرحلة، و هي:
١- اجراء انتخابات برلمانية بنظام القائمة النسبية، تؤدي الى انتخاب برلمان شرعي للبلد، يقوم بتشكيل حكومة جديدة، تسند اليها صلاحيات ادارة البلد بدلاً من مجلس القيادة الرئاسي.
٢- انشاء جمعية وطنية من ٣٠١ عضو، لتحل محل البرلمان المنتهية صلاحيته منذ ٢٠ عام، يكون ثلث اعضاء الجمعية من شيوخ القبائل و مناصب السادة و الشخصيات الاجتماعية من الفئات الاخرى، و ثلث الاعضاء من علماء الزيدية و الشافعية و السلفية، و ثلث الاعضاء من الشخصيات الوطنية و من الاحزاب و القوى الوطنية كـ فصائل الحراك الجنوبي و مؤتمر حضرموت الجامع.
٣- تشكيل مجلس رئاسي من شخصيات وطنية محايدة لم يسبق لها الانتماء لاي حزب او مكون سياسي او ثوري لادارة البلد، الى جانب تشكيل حكومة تكنوقراط.

إغلاق