السعودية… حين تقود الجغرافيا اقتصاد العالم
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
17 ابريل 2026
في زمنٍ تتبدّل فيه موازين القوى، وتُعاد فيه كتابة خرائط النفوذ الاقتصادي، تبرز المملكة العربية السعودية لا كدولة مؤثرة فحسب، بل كـ عقل استراتيجي أدرك المستقبل قبل أن يصل. فالعالم اليوم يشهد تحولات عميقة في سلاسل الإمداد، وممرات التجارة، ومراكز الصناعة، بينما كانت الرياض قد بدأت مبكرًا في بناء أدوات المرحلة القادمة بهدوءٍ وثبات.
المتأمل لما يجري في المنطقة يدرك أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل أصبح مرشحًا ليكون مركزًا اقتصاديًا عالميًا جديدًا يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. وفي قلب هذه المعادلة تقف السعودية، بموقعها الجغرافي الفريد الذي يتوسط ثلاث قارات، وبسواحلها الممتدة على البحر الأحمر والخليج العربي، وبقدرتها اللوجستية الهائلة التي تجعلها نقطة ارتكاز لا يمكن تجاوزها.
لقد فهمت القيادة السعودية منذ وقت مبكر أن الاقتصاد العالمي لا يُدار فقط بالمصانع، بل بالموانئ، والممرات، والطاقة، والاستقرار، والبنية التحتية. ولذلك لم تنتظر الأزمات حتى تتحرك، بل سبقتها برؤية واضحة، فطورت الموانئ، ووسعت المطارات، وربطت الشرق بالغرب عبر مشاريع النقل والسكك الحديدية، وأطلقت مناطق اقتصادية وصناعية ضخمة ستشكل مستقبل التجارة الدولية.
وفي وقت تعاني فيه قوى صناعية كبرى من الشيخوخة السكانية، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع تكاليف التشغيل، تمتلك منطقتنا عنصرًا نادرًا: الشباب والطاقة والموقع. وهنا تتجلى الحكمة السعودية، إذ لم تكتفِ بقراءة هذا الواقع، بل بدأت بتحويله إلى فرصة تاريخية عبر الاستثمار في الإنسان، والتعليم، والصناعة، والتقنية، والخدمات اللوجستية.
ولعل من أعظم ما يميز السياسة السعودية أنها لا تتعامل بردود الفعل، بل بصناعة البدائل. فحين اضطربت الممرات البحرية، كانت المملكة قد عززت خيارات التصدير، ووسعت قدراتها على البحر الأحمر، ورسخت نفسها كصمام أمان لأسواق الطاقة العالمية. وحين تذبذبت الأسواق، كانت السعودية تتحرك بثقة لضبط التوازن، لأن استقرار الاقتصاد العالمي ليس شأنًا بعيدًا عنها، بل جزء من دورها القيادي.
إن الحديث اليوم عن ممرات تجارية جديدة، وقواعد صناعية ناشئة، واستثمارات تتجه نحو المنطقة، لا يمكن فصله عن البيئة التي ساهمت السعودية في ترسيخها: الاستقرار، والرؤية، والثقة الدولية. فالمستثمر العالمي لا يبحث عن المال فقط، بل عن دولة تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه.
السعودية اليوم لا تلاحق المستقبل… بل تصنعه. ومن يقرأ المشهد بعمق سيدرك أن المملكة لا تتحرك داخل خريطة العالم، بل تعمل على إعادة رسمها اقتصاديًا.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






