قصة لا كهرباء لا غاز لا بترول
كتب / جابر عبدالله الجريدي
الجمعة 17 أبريل 2026
كان هناك طفلاً في الثانية عشر من عمره تقريباً ، حمل هاتف والده وشاهد في أثناه مقطع ريلز قصير عن مناظر وروعة مدينة أوروبية لندن البريطانية ، شوارع لا تُشبه شوارع بلاده ، بُنية تحتيه وكأنها من نسج الخيال حتى لا يحلُم بها هو ، أبراج زجاجية شاهقةُ الإرتفاع ، منازل لافتتُ النظر ومُحيرةُ العقل ، تنسيق وترتيب رهيب في أحياء المدينة ، وجد في مقطع الفيديو أماكن مخصوصة توضع فيها القمامة بعكس بلاده ترمى بأي مكان في الشارع بدون مبالاة ، الأضواء بكل موضعٍ منها بينما في بلاده حتى الشارع الرئيسي يفتقد للمصباح ، وجد الناس لا تفكر بأشياء سواء ما يسعدها الشراء التوظيف السينما بعكس بلاده يتهافتون على محطات البنزين والغاز خوفاً من إنقطاعها ، وجد مجموعة طلاب يذهبون للتعليم في مدارسهم بوجوه مبتهجة مسرورة تتهيأ لمستقبلها الجميل بينما في بلاده ينتظر متى تستقر العملية التعليمية لكثرة الإضرابات والإنقطاعات ، كانت تخيُّلات المقارنات بين ما يشاهده على الشاشة وما يشاهده في الواقع تعبث بعقله حتى جلس يسأل نفسه ما الفرق بيننا وبينهم؟
بينما هو جلس يكرر ذلك المقطع ويضع لنفسه التساؤلات إنقطع التيار الكهربائي ، وكان الجو حار جداً والبعوض يداهمهم على حين غُرَّه ، دعاه والديه للصعود معهم على سطح المنزل ينتعشون قليلاً من هواء ربي لعل ذلك يخفف عنهم ليستطيعوا النوم ويتهيأوا لإشراق يومٍ جديد ، أذن مؤذن المسجد لصلاة الفجر وذهب مع والده لأداء الصلاة ، ثم عاد إلى البيت مع والده حتى تطلع الشمس ، ذهب والده للعمل وهو يلعب بالعابه ليُسَلِّي بها نفسه في الصباح لأن المدارس مغلقة بسبب إضراب المعلمين لأن الدولة متمردةً في صرف رواتب المدرسين ، عاد والده ظهراً إلى البيت بعد عملٍ شاق ليأكل ويرتاح قليلاً ، لكن للأسف وصل والدهم المنزل والكهرباء طافيةٌ والزوجةُ لم تستطع طبخ الغداء لأن إسطوانة الغاز إنتهى مافيها ، أخذ الوالد إبنه معه وحمل إسطوانة الغاز ليبحث له عن غاز لطهي طعامه ، وضعها في سيارته وذهب يبحث عن محلات ومحطات الغاز ، كل ما وصل إلى مكان أخبروه أنه للأسف الغاز معدوم وهناك أزمة ، بينما هو في سعيه إذ بسيارته تنطفأ فجأة لأن وقود سيارته إنتهى ، دفعها مع إبنه مع مساعدة البعض إلى جانب الطريق ، وذهب ليحصُل على بترول في إحدى المحطات ليُمشي بها سيارته على الأقل ليعود بها إلى المنزل ، وسعى واجتهد وللأسف لم يجد شيئاً لأن هناك أزمة بترولية خانقة في البلاد ، بعد عناء شديد وجد صديقاً له معه بترول فأخذه منه وعاد إلى مكان سيارته ، تحرك بعدها بسيارته للعودة إلى المنزل بيدين خالية والوقت بدا متأخراً دخل عليهم الليل ، سألته زوجته عن الغاز فقال لها للأسف معدوم ولا يمكننا أكل الطعام اليوم فعلينا أن نصبر حتى تنفرج الأزمة أو نشتري حطباً ونطبُخ في التنار إن لم نجد شيئاً وأنه علينا أن نرتاح قليلاً ونذهب للنوم ، فعلاً تهيأو للنوم وبعد بضع دقائق إنقطع التيار الكهربائي ، وصعدوا لسطح المنزل مثل الليالي السابقة ، نام هذا الطفل بعد يومٍ صعب وشاق ، لم يذهب إلى المدرسة ولم يأكل طعاماً ، وذهب مع والده ليرى بلد تعمُّها الأزمات ، غطَّ الإبن في نومٍ عميق وراوده في حلمه أن بلاده تُشبه كثيراً تلك المدينة الأوروبية التي رآها في مقطع الفيديو السابق ، يحمل محفظته ويذهب للتعليم في المدرسة ، ويعود للمنزل لتناول وجبة الغداء ، وبعدها ينام قليلاً ويستيقظ العصر ليذهب مع عائلته للتنزه في الحديقة ، وبينما هو يتأرجح في الأرجوحة يدفع نفسه شيئاً فشيئاً حتى كاد يسقط ، فصاح بأعلى صوته واستيقظ ، نهض والديه مفزوعين من صرخة إبنهم ، فأنشدوه مابك يا بُني؟ فقال لهم الإبن: ( الحلم لكزز والواقع فرخ عنز ).
. هذا واقع حضرموت اليوم للأسف ، غاب المستقبل ، وتزعزع الأمل ، وأصبح الواقع فيها مكتظاً بالأزمات. لكننا نصل حبل أملنا بالله فهو وحده القادر على فعل كل شي ، ونؤمن بأنه سيُبدل حالنا إلى الأفضل والأكمل والأجمل ، دمتم في رعاية الله.






