اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

رحيل الحكماء وبقاء الأثر: قراءة تحليلية في سيرة ودور الحكم صالح بن ثابت النهدي في البنية القبلية والوطنية في بلاد حضرموت تاربة ــ اليوم / كتابات واراء

رحيل الحكماء وبقاء الأثر: قراءة تحليلية في سيرة ودور الحكم صالح بن ثابت النهدي في البنية القبلية والوطنية في بلاد حضرموت تاربة ــ اليوم / كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

15 إبريل 2026م

شكل رحيل الحكم صالح بن علي بن ثابت النهدي لحظة فارقة في الوعي الجمعي الحضرمي، إذ لم يكن الفقيد مجرد شيخ قبلي تقليدي، بل مثل نموذجًا مركبًا للقيادة الاجتماعية التي جمعت بين الحكمة القبلية، والوعي الوطني، والدور الإصلاحي المتجذر في عمق البنية المجتمعية. ويأتي هذا الحدث ليعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرجعيات التقليدية في حضرموت، ومدى قدرتها على الاستمرار في أداء أدوارها في ظل التحولات السياسية والاجتماعية الراهنة.
لقد تميز الفقيد بمكانة اعتبارية رفيعة بوصفه حكمًا قبليًا، وهي مرتبة تتجاوز مفهوم الزعامة الشكلية إلى فضاء التحكيم الأخلاقي والاجتماعي، حيث يتجسد فيها العرف القبلي بوصفه نظامًا ضابطًا للعلاقات، ومكملًا للبنية القانونية الرسمية. ومن هذا المنطلق، فإن دوره لم يكن محصورًا في قبيلة نهد فحسب، بل امتد ليشمل فضاءات أوسع داخل حضرموت وخارجها.
إن قراءة سيرة الفقيد تكشف عن نمط قيادي تقليدي – حديث، استطاع أن يوازن بين الأصالة والمعاصرة؛ إذ حافظ على الأعراف القبلية كأداة لتحقيق الاستقرار، وفي الوقت ذاته انفتح على مؤسسات الدولة من خلال عضويته في مجلس الشورى، بما يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة التداخل بين الدولة والمجتمع في السياق اليمني.
وتبرز أهمية الفقيد في كونه أحد أعمدة إصلاح ذات البين، وهي وظيفة اجتماعية ذات بعد استراتيجي في المجتمعات القبلية، حيث تسهم في احتواء النزاعات، وتقليل كلفة الصراعات، وتعزيز السلم الأهلي. وقد عُرف عنه سعيه الدؤوب لتقريب وجهات النظر، وتغليب منطق الحكمة على منطق القوة، وهو ما أكسبه احترامًا واسعًا وشرعية اجتماعية راسخة.
وفي سياق تحليل دوره، يمكن القول إن الفقيد مثل ما يمكن تسميته بصمام الأمان الاجتماعي، حيث لعب دور الوسيط بين مكونات المجتمع المختلفة، وبين المجتمع والدولة، في مرحلة اتسمت بضعف المؤسسات الرسمية وتنامي الحاجة إلى المرجعيات التقليدية. وهذا الدور يعكس أهمية البنية القبلية كفاعل موازٍ في إدارة الشأن العام.
كما اتسمت شخصية الفقيد بخصائص قيادية نادرة، من أبرزها رجاحة العقل، وسداد الرأي، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة، وهي سمات لا تكتسب بسهولة، بل تتشكل عبر تراكم الخبرة والتجربة، والانخراط العميق في قضايا المجتمع وهمومه.
ومن اللافت أن الفقيد لم يكتفِ بدوره المحلي، بل امتد تأثيره إلى الدوائر الإقليمية، حيث كان يحظى بتقدير واسع في دول الخليج العربي، ما يعكس مكانة حضرموت التاريخية كجسر تواصل بين اليمن ومحيطه الإقليمي، ويؤكد أن القيادات القبلية الحضرمية لا تزال تحتفظ بدورها العابر للحدود من أجل خدمة المجتمع الحضرمي.
وفي سياق استمرارية هذا الدور القيادي، يبرز اسم أخيه وخلفه، الأخ العزيز الحكم الدكتور عبدالرب بن علي بن ثابت النهدي، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لهذه المدرسة القيادية المتجذرة؛ إذ تشير المعطيات الاجتماعية والقبلية إلى أنه يحمل ذات الرصيد من الحكمة والخبرة، ويواصل أداء وظيفة التحكيم والإصلاح بذات الروح والمسؤولية، بما يجعله خير خلف لخير سلف، ويعزز من فرص استمرارية هذا الإرث الاجتماعي في سياق متغير.
ويحمل رحيل الفقيد دلالة عميقة على أزمة الفراغ القيادي في المجتمعات التقليدية، حيث يصعب تعويض الشخصيات التي تجمع بين الشرعية الاجتماعية والخبرة العملية والقبول العام. وهو ما يطرح تحديًا أمام الأجيال القادمة في كيفية إعادة إنتاج هذا النموذج القيادي في سياق مختلف.
كما أن هذا الحدث يسلط الضوء على أهمية توثيق سير الشخصيات المؤثرة في التاريخ الاجتماعي لحضرموت، باعتبارها جزءًا من الذاكرة الجمعية، ومصدرًا لفهم آليات عمل المجتمع، وأنماط القيادة، وأشكال التفاعل بين القبيلة والدولة.
وفي بعده الرمزي، يمثل الفقيد نموذج (الحكيم الحضرمي) الذي ارتبط اسمه بإصلاح ذات البين، وجمع الكلمة، وتغليب المصلحة العامة، وهي قيم باتت اليوم أكثر إلحاحًا في ظل التحديات التي تواجه المجتمع الحضرمي واليمني عمومًا.
إن التعاطي مع رحيل هذه القامة لا ينبغي أن يقتصر على البعد العاطفي أو الرثائي، بل يجب أن يتحول إلى لحظة تأمل نقدي في بنية القيادة المجتمعية، وآليات انتقال السلطة الرمزية، ودور المؤسسات التقليدية في تحقيق الاستقرار.
إن الحكم صالح بن ثابت النهدي، وإن غاب جسدًا، فقد ترك إرثًا معنويًا وثقافيًا واجتماعيًا سيظل حاضرًا في وجدان حضرموت، ومصدر إلهام للأجيال القادمة، في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار بثقة إلى استمرار هذا الدور عبر خلفه الذي يحمل الأمانة، ويواصل المسيرة بروح الوفاء والمسؤولية. رحم الله الفقيد، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

إغلاق