اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

هرمز بين قبضة الابتزاز وسقوط هيبة العالم

هرمز بين قبضة الابتزاز وسقوط هيبة العالم

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
12 ابريل 2026

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تعبر منه الناقلات، بل أصبح اختباراً يومياً لهيبة النظام الدولي، وميزاناً يكشف من يحكم العالم فعلياً: القانون أم منطق التهديد. فحين تستطيع دولة أن تجعل الاقتصاد العالمي يترقب مزاجها السياسي كل صباح، فإن الخلل لم يعد في المضيق، بل في منظومة دولية سمحت بتحويل شريان التجارة إلى منصة ابتزاز مفتوحة.

يمر عبر مضيق هرمز جزء هائل من تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه لا ينعكس على الخليج وحده، بل يمتد فوراً إلى أسعار النفط، والتضخم، والشحن، والتأمين، وأسواق المال، وكلفة المعيشة من آسيا إلى أوروبا وأمريكا. لذلك فإن من يعبث به لا يهدد جيرانه فقط، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأكمله.

المعضلة أن العالم جرّب لسنوات طويلة سياسة الانتظار، وجرب لغة البيانات، وجرب المفاوضات غير المنتهية، لكنه في كل مرة يكتشف أن التراخي يلد مزيداً من التمادي. عندما لا يقابل التهديد بردع واضح، يتحول إلى أسلوب دائم. وعندما لا تُفرض كلفة حقيقية على من يلوّح بإغلاق الممرات الدولية، يصبح الابتزاز أداة سياسية مربحة.

إن الخطر لا يكمن فقط في إغلاق المضيق، بل في فكرة أن يبقى العالم كله رهينة لاحتمال إغلاقه. مجرد التلويح يكفي لرفع الأسعار، وإرباك الأسواق، وزعزعة الثقة. وهذا أخطر من الإغلاق نفسه، لأن العالم يعيش حالة استنزاف مستمر دون حرب معلنة ودون حل نهائي.

ومن هنا، فإن المطلوب لم يعد جولة تفاوض جديدة تضاف إلى أرشيف الجولات السابقة، بل استراتيجية دولية حاسمة تعيد تعريف الخطوط الحمراء. حرية الملاحة ليست بنداً تفاوضياً، بل مبدأ سيادي دولي. والمضائق الدولية ليست أوراق ضغط في نزاعات إقليمية، بل حقوق مكفولة للعالم كله.

الرد الحقيقي يبدأ بتحالف بحري واسع يضمن سلامة المرور، وتوسيع مسارات التصدير البديلة، وخفض الاعتماد على نقاط الاختناق، وفرض عقوبات موجعة على كل من يستخدم التجارة العالمية رهينة لمغامراته السياسية. حينها فقط سيدرك العابثون أن العالم لا يُدار بالصبر المفتوح، بل بالقوة المنضبطة والقرار الحاسم.

وفي هذا المشهد، أثبتت المملكة العربية السعودية بعد نظر استثنائياً سبق كثيراً من القوى الكبرى. فمنذ عقود عملت على إنشاء بدائل استراتيجية لتجاوز أي تهديد محتمل في الخليج، عبر خطوط الأنابيب إلى ساحل البحر الأحمر، وتطوير موانئ ينبع، ورفع جاهزية البنية التحتية، بما يضمن استمرار تدفق الطاقة حتى في أصعب الظروف. تلك الرؤية لم تكن صدفة، بل نتاج قيادة تقرأ المستقبل قبل وقوعه.

كما برهنت الرياض أن الحكمة لا تعني الضعف، وأن الهدوء لا يعني الغفلة. فهي تتعامل مع أزمات المنطقة بعقل الدولة الكبرى: توازن بين الردع والدبلوماسية، وتحصّن اقتصادها، وتحمي مصالحها، وتمنح محيطها الخليجي عمقاً استراتيجياً في الموانئ والمطارات والبدائل اللوجستية. ولهذا تخرج في كل أزمة أكثر قوة، وأكثر احتراماً، وأكثر تأثيراً.

إن التاريخ لا يذكر من أكثر الكلام، بل من صنع المعادلات. وفي زمن الاضطراب، ظهرت السعودية كدولة تصنع البدائل، لا تنتظر المفاجآت، وتبني النفوذ بالحكمة كما تبنيه بالقوة. بينما ينشغل الآخرون بإشعال الأزمات، تنشغل هي بإدارة المستقبل.

الخلاصة أن مضيق هرمز لم يعد أزمة ممر مائي، بل أزمة ردع دولي. وإذا لم يُحسم هذا الملف بمنطق القوة القانونية والسياسية والاقتصادية، فإن العالم سيفتح الباب لعصر جديد من فوضى المضائق والابتزاز البحري. أما إذا فُرضت القواعد بوضوح، فسيبقى هرمز ممراً للتجارة لا منصة للتهديد.

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق