حضرموت في “المنظار” السعودي: أبعد من مجرد جغرافيا.. وأعمق من مجرد حدود
بقلم / خالد الصيعري
السبت 11 ابريل 2026
في دهاليز السياسة اليمنية المعقدة، لطالما كانت حضرموت هي “الرقم الصعب” الذي يرفض القسمة على اثنين. لكن، مع اقترابنا من منتصف عام 2026، لم يعد السؤال يدور حول هوية حضرموت اليمنية، بل حول “البوصلة السعودية” التي يبدو أنها استقرت نهائياً في شرق اليمن. فما الذي تبحث عنه الرياض في هذه المساحة الشاسعة التي تمثل ثلث مساحة البلاد؟ ولماذا تحولت المحافظة إلى خط أحمر لا يقبل المساومة؟
لفهم التحركات السعودية الأخيرة، وتحديداً بعد انتشار قوات “درع الوطن” في مناطق الوادي والصحراء مطلع هذا العام، يجب أن ندرك أن الرياض لم تعد تتعامل مع حضرموت كملف “إغاثي” أو “دبلوماسي” فحسب. إنها تتعامل معها كـ “عمق حيوي”.
السعودية تنظر إلى حضرموت من زاوية الأمن القومي المباشر. الحدود الطويلة ليست مجرد خطوط على الخارطة، بل هي ثغرة محتملة لتهريب السلاح والمخدرات، ومنطلقاً لخلايا قد تهدد استقرار المملكة الداخلي. لذا، فإن الهدف الأول هو “تطهير” هذا العمق من أي نفوذ لمليشيات خارجة عن التنسيق المباشر مع غرفة عمليات الرياض، سواء كانت مدعومة من أطراف إقليمية أخرى أو فصائل محلية ذات أجندات انفصالية حادة.
“مجلس حضرموت الوطني”.. هل ضربة معلم أم حاجة ملحة؟
جاء تأسيس “مجلس حضرموت الوطني” كرسالة سياسية مشفرة للداخل والخارج. الرياض سئمت من صراع “الأخوة الأعداء” في عدن وصنعاء، وقررت أن تصنع “طرفاً ثالثاً” قوياً.
داخلياً تريد السعودية إقناع الحضارم بأنهم أسياد قرارهم، بعيداً عن هيمنة “المركز” التقليدي في الشمال أو “الجنوب الجديد” في عدن.
خارجياً هي خطوة لقطع الطريق أمام طموحات المجلس الانتقالي الجنوبي في السيطرة على منابع النفط، وإيصال رسالة واضحة بأن “شرق اليمن” منطقة نفوذ سعودية خالصة لا تقبل الشراكة.
وبعيداً عن الشعارات، هناك حلم قديم متجدد يداعب الخيال الاستراتيجي السعودي منفذ إلى بحر العرب.
تخيل لو أن أنابيب النفط السعودية عبرت الربع الخالي وصولاً إلى موانئ حضرموت؟ هذا يعني التحرر التام من “فوبيا” مضيق هرمز وتهديدات الجوار الإيراني. رغم أن هذا المشروع لم يُعلن عنه رسمياً كخطة فورية، إلا أن التحركات اللوجستية وتطوير البنية التحتية في المحافظة عبر “البرنامج السعودي للإعمار” توحي بأن الرياض تهيئ الأرضية لمستقبل اقتصادي مشترك يتجاوز مجرد المساعدات.
واقع الميدان في 2026: شد الحبال الصامت
ما يحدث اليوم في المكلا وسيئون ليس مجرد مناوشات عسكرية، بل هو “إعادة تموضع” كبرى. التدخل الجوي السعودي الذي شهدناه في يناير الماضي لوقف زحف بعض القوات نحو الهضبة النفطية، كان إعلاناً صريحاً بنهاية عهد “المجاملات” داخل التحالف.
السعودية اليوم تتبنى استراتيجية “الإمساك بالمفاتيح”:
المفتاح العسكري: عبر قوات محلية (درع الوطن) تدين بالولاء الكامل للرياض.
المفتاح الاقتصادي: عبر التحكم بملف إعادة الإعمار والرواتب في المنشآت الحيوية.
المفتاح الاجتماعي: عبر كسب ولاء القبائل الكبرى التي تجد في السعودية ضامناً لمصالحها ضد تقلبات السياسة في عدن.
الخاتمة: إلى أين تسير الأمور؟
إن ما تريده السعودية من حضرموت هل هو “الاستقرار الموجه أم انها لا تريد محافظة تابعة بالمعنى التقليدي، او تريد “إقليماً مستقراً” يعمل كحائط صد أمني، وممر اقتصادي آمن، وورقة ضغط سياسية كبرى في أي تسوية نهائية للأزمة اليمنية.
السعودية في 2026 لم تعد تكتفي بالدعم من خلف الستار؛ لقد خرجت إلى المنصة، وأمسكت بزمام المبادرة، لتقول للجميع: حضرموت هي قلب التوازن، ومن يملك القلب.. يملك اللعبة.






