رحل صاحب الصوت الخفي !!
كتب / عبدالله صالح عباد
السبت 11 ابريل 2026
لقد خيّم الحزن على ساحة الزاوية بفقد ركن من أركانها . حيث فقدت شخصية مرحة متواضعة محبة للخير ، عندما تجلس معه لا تمل من حديثه الشيّق الماتع وهو يقص عليك قصصا من الزمن الماضي الجميل وحكايات تنبسط لها والحديث معه ذو شجون تتمنى لو كُتِبت تلك القصص والحكايات لتكون عبرة ونبراسا لمن يمضي في هذه الحياة لأن الماضي متشبع بأحداث كثيرة لا يعلمها الجيل الحالي في عهد التطور التكنولوجي الذي يعتمد الآن على هذه الأجهزة المتناولة بين الأيدي لا شك أنها نعمة ولكن يا ليت يتم الاستفادة من حياة و تجارب الآباء كبار السن ونشر المفيد من سيرتهم ليتعلم جيلنا الحالي شيئا من سيرتهم في كيف عاش هؤلاء الرجال حياتهم سابقا لنأخذ منها العظة والعبرة . وحتى لا يطول بنا الحديث أعود إلى ذكر تلك الشخصية التي تلقينا نبأ وفاتها إنه الوالد الخال كرامة أحمد مطبق أبو منير رحمة الله عليه . وفجأة وجدت نفسي يعود بي شريط الذكريات إلى الوارء لسنوات طويلة كيف هو بو منير لقد قضى سنوات طويلة من عمره في الغربة حيث سافر إلى السواحل في مدينة زنجبار نهاية الخمسينيات من القرن الماضي ثم عاد إلى الوطن ليعمل في محل العم سعيد باصحيح لما يقارب السنتين ، وفي منتصف الستينات توجه إلى المملكة العربية السعودية بحثا عن لقمة العيش في جدة أولا وبعدها انتقل إلى المنطقة الشرقية في مدينة الخبر حتى نهاية غربته ، وهكذا كان الكثير من رجال هذه البلاد ومنهم الخال سالم أخوه أبو سمير ووالدي رحمة الله عليهم ، وغيرهم الكثير ، والحقيقة لهم قصص ومواقف جميلة من الماضي لكن للأسف لم يتم تدوينها . دعونا نغوص قليلا في جانب من سيرته وهي رحلته مع الدان الحضرمي وعشقه لهذا اللون ، فقد كان ذواقا وله صوت جميل ربما لا يعرفه أحد . فقد عاشر عدد من الشخصيات في مجال الشعر و الدان : منهم الشاعر مستور حمادي وكان دائما ما يردد أشعاره و يدندن بألحانه . كان يعشق الدان الحضرمي ومن الشخصيات التي تأثر بها كثيرا مغني الدان عاشور بن هادي باشغيوان ( الشن ) وكان منذ صغره يتحرى ويحرص على حضور جلسات الدان التي يستضاف فيها عاشور الشن و مما يُذكَر أنه شارك في ترتيب جلسة سمر دان أقيمت في منزل أبو سلوم بساحة الرياض غنى فيها عاشور ، وكان في سفره وترحاله في بلاد الغربة دائما يدندن بالأصوات التي يتغنى بها عاشور ، ومن شدة تأثره بعاشور عندما يتم بث مقطع دان في إذاعة سيئون بصوت عاشور يسود المكان الصمت والهدوء لماذا ؟ لأن صوت عاشور حاضرا جذابا فيظل أبو منير مصغيا له ويردد معه الصوت وربما سالت دموعه تأثرا بعاشور لأنه ربما كان حاضرا معه تلك الأمسية فيتذكرها أو فاته حضورها بسبب الاغتراب . ومن الطرفة على لسانه يقول : لما يعلن عن أمسية جلسة دان كنت حريص على الحضور فيمنعني والدي فتقف بجانبي الوالدة وتقول لوالدي دعه يذهب نسيت أنك كنت تسري للسمر ، و أحيانا أتربص الفرصة المناسبة وأهرب لكي أحضر الجلسة ، هذا هو حسه المرهف لهذا الفن الحضرمي فرحمة الله عليهم جميعا . ومن الشخصيات التي تأثر بها وله معه لقاءات ومناقشات عن الدان شاعر وملحن أصوات الشبواني سعيد جمعان باشغيوان( الشن ) أبو خالد . كذلك تربطه صداقة أخوية وطيدة بالشاعر سليمان مستور حمادي ، وأيضا له علاقة قوية بمغني الدان المعلم عوض سالم بارمادة والذي لازمه حتى وفاته فكان يستقي منه التوجيه له حول فن الدان و شعر الدان ، وله جلسات مع الشاعر عمر عوض سالم بارمادة ( ابن المعلم عوض سالم ) رحمهم الله جميعا .
وأما عن ترحاله في غربته في السعودية فلا يغيب بومنير عن أي جلسة سمر دان فقد دُعِيَ إلى عدة جلسات سمر دان بحضور عدد من الشعراء في المهجر موثقة منها على سبيل الحصر جلسة بمدينة الخبر بالمنطقة الشرقية مع الشاعر حسن باحارثة والشاعر كرامة باغيث من شبام رحمهما الله وعدد آخر من شعراء دوعن موثقة صوت وصورة . فيا ليت الأخوة في قناة السحيل أن تهتم وتبث هذه الجلسة وأي جلسات أخرى . وأثناء تواجده في الوطن له مشاركات وحضور في المناسبات التي تقيمها حافة السحيل . كما له مشاركات في بعض الفعاليات والاحتفالات التي تقيمها المكونات الثقافية . وشارك في حفل تأسيس ملتقى الدا الحضرمي . ولا ينسى الشباب حيث له تواصل مع الشخصيات الشابة والمهتمة بالدان الحضرمي ومنهم الأستاذ رياض باسلامة والأستاذ نزار باحميد الذي استضافه وحاوره في إحدى حلقات برنامج ملتقى الشعر والدان .
توجد له بعض التسجيلات النادرة وهي بحوزة ابنه منير على أشرطة كاسيت وكذا جلسات موثقة فيديو فقد ضاع منها الكثير ولم يبق منها إلا القليل فهي تحتاج إلى توثيق عبر التسجيل الإلكتروني mp3 أو التسجيل الفيديو ، وهذه نوجهها إلى المهتمين بالتراث الحضرمي وخاصة الأخوة في ملتقى الدان الحضرمي لجمع تلك المواد والمحافظة عليها ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي . هذا جانب يسير من سيرة عاشق ومغني الدان كرامة مطبق ( أبو منير ) .
ولمن لا يعرف جانب آخر من سيرة أبي منير هو إتقانه الأذان بصوته الشجي وكم رفع الأذان في مسجد جامع سيئون قبل أن تتم توسعته وتجديده ، فقد كانت له علاقة وطيدة بالشيخ مهدي بارجاء إمام المسجد رحمه الله ، فعندما يأتي إلى البلاد قادما من غربته أول ما يقصد مسجد الجامع فيرفع الأذان فيه بصوته الجميل المؤثر وكما يسمونه اللحن المكاوي . وكذلك رفع الأذان في عدد من مساجد سيئون . استقر أبو منير في البلاد منهيا غربته في العاشر من محرم 1438هـ الموافق 12 من أكتوبر 2016 م . هذا جانب من سيرته .
وفي السنوات الأخيرة أنهك جسده المرض فكان يصبر ورغم الآلام ومشقة الطريق إلى بيته الذي يقع على سفح الجبل يذهب متنقلا بين المساجد المجاورة ( عنبر ـ النور ـ أم سعيدالعمودي ) يقضي وقته في قراءة القرآن وحضور الدروس والمحاضرات حتى تعب واشتد عليه المرض فلم يستطع الذهاب إلى المسجد فمكث مدة من الزمن في البيت حتى وافاه الأجل يوم الإثنين 18 شوال 1447ﻫ الموافق 6 إبريل 2026 م عن عمر ناهز ( 85 عاما ) وتمت الصلاة عليه بعد صلاة العشاء في مسجد الجامع وسط جموع من المصلين وتم الدفن في مقبرة حسن . تغمد الله الفقيد المرحوم كرامة أحمد مطبق بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون .






