وجعٌ لا يُحتمل
بقلم / عبدالمجيد السامعي
الجمعة 10 ابريل 2026
ودعنا الطفل ايلول السامعي الذي جرفته السيول في مدينة تعز..وكأن السماء لم تحتمل فراقه ..فبكت عليه بحرقة…تودّعه بطريقتها، قطرةً قطرة..وتغسل وجع الأرض التي فقدته ..وكأن الكون كله يشارك في هذا الحزن الثقيل.
شُيِّع الطفل أيلول السامعي إلى مثواه الأخير في موكبٍ جنائزي مهيب لم يكن مجرد وداعٍ لطفلٍ صغير بل كان صرخةً مدويةً في وجه الإهمال ومرآةً تعكس حجم الفقد وسخطاً عارماً على غباء المسؤولين وتقاعسهم. كانت الجموع تمشي مثقلةً بالحزن لكن داخل ذلك الحزن غضبٌ لا يُخفى ووجعٌ لا يُحتمل.
رحل أيلول إلى ربه وانطفأت معه ابتسامةٌ بريئة، لكن صدى رحيله ظل يجلجل في القلوب.. من الذي خذله؟ من الذي ترك الطرق بلا أمان والناس بلا حماية والأطفال في مواجهة أخطارٍ كان يمكن تجنبها؟ لقد جرفته السيول لكن الحقيقة أن ما جرفه قبلها هو الإهمال وما أسقطه هو غياب الحس بالمسؤولية.
يا من تجلسون على كراسي السلطة بأي مبررٍ ستقنعون أنفسكم أن ما حدث مجرد قضاءٍ وقدر؟
كيف تسمحون لأنفسكم أن تختبئوا خلف الكلمات بينما الحقيقة واضحة كوجع أمٍ مكلومة؟
إن القدر لا يُدان لكن التقصير يُدان، والإهمال جريمة واللامبالاة خيانة للأمانة التي حُمِّلتموها. لن يغفر لكم الصمت ولن تمحو البيانات الرسمية أثر دمعةٍ واحدةٍ سالت من عين أبٍ مكسور.
إن هذا الموكب لم يكن تشييعاً فقط بل كان محاكمةً صامتة. كل خطوةٍ فيه كانت اتهاماً وكل دمعةٍ كانت شهادةً ضد تقصيركم. لم يكن أيلول رقماً في سجل الحوادث ولا خبراً عابراً يُنسى بل كان حياةً كاملة حلماً صغيراً وضحكةً كانت تضيء وجوه من حوله. واليوم تحولت تلك الضحكة إلى جرحٍ مفتوح في قلوب أهله وإلى وصمةٍ لا تُمحى في جبين كل من قصّر.
أما أنتم يا والدي أيلول فالفقد الذي تحملتموه أكبر من أن تُواسيه الكلمات. لكن عزاءكم أن ابنكم لم يرحل بصمت بل خرج في وداعٍ يليق ببراءته وترك أثراً لن يُنسى. صبركم شهادة ووجعكم رسالة ودمعتكم حقٌ على هذا العالم أن يصغي له.
رحم الله أيلول وجعل موكبه المهيب شاهداً على زمنٍ يجب أن يتغير وعلى مسؤوليةٍ يجب أن تُستعاد بمعناها الحقيقي. لعل هذا الفقد العظيم يكون بداية يقظة ولعل هذه الجنازة تكون نهاية لصمتٍ طال أكثر مما ينبغي.
سلامٌ على روحك الطاهرة يا أيلول وسلامٌ على كل قلبٍ انكسر اليوم. أما أنتم، يا من بيدكم القرار فاعلموا أن هذا المشهد لن يُنسى وأن صمتكم اليوم سيظل يُلاحقكم ما بقي في الناس ضمير.
سلام لروح أيلول تعز والصبر لقلب والديه وذويه ، وسيعود أيلول كالصباح جديدا، فمصابنا كبير في أيلول الثورة وأيلول الطفولة.






