أمل كعدل ووعد الأيام الخضر
تاربة_اليوم / فنون
كتب / ا. خالد لحمدي
23مارس 2026م
إن للصوت العذب وقعٌ على الروح الوالهة للعذوبة والمترعة بالحب وعوالم السحر ولحظات الإنتشاء .
والغوص في عمق الشيء ومعرفته ، ليس بالأمر الهين واليسير ، فكيف لو كان شيء يلمس حواسنا ومشاعرنا المنغمسة بداخلنا.
كيف يكون الإقتراب من تلك الأشياء التي تبهجنا و نشعر أننا قريبون منها.
نشم عطرها وأريجها الطاغي،
المتخفّية خلف جبال من الشوق وعاصفة من الوجد المتهادئ كنسيم عَطِرٍ متسربلٍ بالبهجة ومشتعل بجمر الإشتهاء .
أمل كعدل ، صوت مبهج أتى من بعيد.
من زمن جميل يدرك معانِ العشق ويعرف دروب البهاء .
سلب صفات السحر وسكبها في صوت وأحد .
بزغ ضوءه بيننا فأنار عتم ليلنا بروعة ونقاء .
أستلذّت به الأرواح العطشى للغيم والمطر .
أمل كعدل ، صوت امتزج بشلالات من الوله وأطياف من البهجة والفرح .
أذابت الأفئدة بصوتها الآسر ، وإبتسامة مغسولة بنسمات شواطىء عدن وقممها الشامخة وجبالها المشتعلة بالنور والضياء.
أتى من همس وضحكات وتناغم أمواج شاطىء الغدير وشمسه العابقة بالسحر والنشوة.
من كل الأمكنة في عدن.
من صهاريجها ، وشواطئها ، وجبالها ، وأبنيتها الضاجّة بالفكر والحب والدهشة والألق .
هذه المدينة التي لاتعرف إلاالحب والحنين والوله والكبرياء .
زرعت بصوتها فينا كثير من الحيرة وكثير من الإنبهار.
وأشعلت بدواخلنا مشاعر البهجة ، ومتاهات العذوبة، وتركت لنا خفقان التشهّي للطرب والغناء ، ونقاوة الصوت العابق باللوعة والشجن .
حين غنّت ذات يوم :
الحبايب غيروا طبعهم
الحبايــب هكــذا شرعهم
عذبونا وامتثلنا لهم
مادرينا أيش نعمل بهم
خبرونا ياعاشقين
ساعدونـــا ياعاشـــقين
شي معاكم طريقه لعاشق
حزين حزين
لهذا النص لحن عذب متناسق في جمله وكلماته وترابط عربه اللحنية المليئة بكثير من الصدق والجمال ، ارتكز على مقام ( الهزام ) هذا المقام العذب ، الذي يأخذ الروح إلى مصاف من السمو والبهجة والرقي.
ترجم ذلك الإحساس العالي للفنانة الرائعة أمل كعدل بإدراك وفهم لمعان القصيدة ، وما آلت إليه قلوب الأحباب من ظلم وقسوة وعناد ، لتلك الروح التي أعطتهم الحب بصدق ووله ، ولم تدر كيف تتعامل معهم ، فأخذتها الحيرة والتساؤل .
وتلك عادة العشاق المكلومين ، حيث يلجأون لبعض ليحكوا معاناتهم وملذاتهم ومايواجهون من متاعب في دروب الحب ومتاهاته العذبة الشائكة.
والأغنية الرائعة شديدة الوصف والعمق ، هي تلك التي تخلق حالة من الترابط والتجاذب بين روح المستمع وصوت الفنان الذي يجعل آثار صوته تتغلغل في أذن المستمع ، فيمتعه ويجعل دواخله تعيش لحظة الإنتشاء وذوبان الذات ، والإحساس بشيء مميز لم يشعر به أو يصادفه ذات يوم.
وتكمن لحظة الذهول الشديدة ، حين يستطيع الصوت العذب أن يلقي بدفئة وشحنة انفعالاته في أذن سامعه ،، وتلك تعتمد على القدرات الصوتية والإحساس المتقن القادر على إيصال المعنى والوصف الدقيق.
وتلك هي قوة واقتدار الفنان في إيصال صوته لعشاقه ومستمعيه.
تلك هي أمل كعدل، التي عودتنا في زمن تراكم بداخلنا ، بفن متقن وصفاء وجهد وبصمة لاتُمحى من تاريخ حافل بالغناء العذب والصوت الساحر المؤنس وحشتنا وسكوننا.
استوطن ذاكرتنا ولازلنا نتغنى به ولن يُمحى أو ينتسي ذات يوم.
وهنا تكمن روعة وسحر وجاذبية أغنيات ( أمل ) فقد شيّدت بصوتها هرماً شامخاً ، يقف أمامه المعجبين ، ويتأمله العشاق العارفين بملذات الغناء ، ومايحمله من ألوان ونور ، وأحلام صادقة وواقعية.
فلايزال صوتها العذب يفتح أفقاً فسيحاً ، وسحر شديد الخصوصية في قلوب وأفئدة عشاقها ومتعاطي فنها.
بصفاء ونقاء روحي ،وربيعٍ يحمل بشائر الحب ، وعبق الفصول المخضبة بالندى والعطر .
وقد تبدّى ذلك في أغنية(مرآيا الشوق) كلمات القرشي عبدالرحيم سلام وألحان الملحن الرائع أحمد بن غودل.
هذه الأغنية التي تعد سراجاً مضيئاً من قناديل النور التي أشعلتها أمل كعدل لعشاق الفن والغناء الجميل.
رسمت أرضاً خضراء ، وعيوناً يتنقل الشوق داخلها بإحتراقات ووجع.
وزمناً مبهراً أكثر ألفة ، وطريقاً لايسلكه إلا العشاق المكابرين ،، الصابرين ،، الباحثين عن السر الذي يجعل أرواحهم تتلهف ،، وتتلظى ،، وتسلك مسالكٍ نائية بفرح وصبر ، لاتعرف سره إلا الذات المكابدة لواعج الشوق ،، واحتراقات الصبابة والوله.
حبيبي في عيونك ذي مرآيا الشوق تتنقّل
تتوهني وتبهرني وترسم لي الطريق أطول
أعيش فيها
وأمشيها
من الأول
وياما في مرآيا الشوق
طوفنا
نغوص العمق
نحلّق فوق
وياما رحت في هذي المرآيا الزرق
أغنّي الحب
واتأمل
وكان قلبي معي
يرحل
معي يرحل.
إن الأرواح العاشقة المتعمقة في بحور العشق ، التائهة في سحره وملذاته تستطيع ودون شعور تجاوز كل الصعاب والمشاق التي تقف أمامها وتمنعها من تحقيق ماتصبو إليه.
ولاتتأمل أو تفكر لحظة في النتائج والعواقب التي قد تنجم عن تحقيق أغراضها ومقاصدها التي لاتكف عن التمسك بها ولو تألمت وأحترقت كثيراً.
لا تفكر في شيء سواء الآتي ،، المضمخ بالهواجس المتنامية ،، وبالجنون المعلّق والمنتصب أمام أعينها والذي لاترى شيئاً آخر سواه.
ذلك هو العشق وتلك هم العشاق الصادقين .
ورغم البعد
رغم النار
والأسوار بانوصل
وبانلقى أكيد الآتي
مـن أيامنا أجمـل
سلامتها عيونك
ذي مرآيا الشوق
سلامتها
سلامتها
وبثقة تخطو نحو حلمها المنهمر بالنجوى والتهابات الوصال ،
جازمة أن ذلك الوعد ، المختبىء خلف مسافات من الغربة والبعد ، وكثير من المرارة والأحلام النائية
سيتحقق حتماً وسيذهب ذلك الغبار وتلك العتمة ، وسيتفصّد الحلم بالإشراقة والبهجة وبإنثيالات الصدق والوفاء،
وستنبجس الأحلام ضاحكة أمام تكسر القيود ، وتمزّق الآسوار المانعة من البوح ولحظات الكلام.
ولو تمددت وازدادت المسافات ، لوأد وأطفاء شلالات الشوق المتدفقة في الضلوع والحنايا ، المليئة باللوعة والدموع الحرّى المتوقّدة .
حبيبي ياحبيبي
وعدنا الأغلـى
مصيره بكـره
يتحقق
وساعتها القيود إلي
تباعدنا
ستتمزق
ونا وأنتَ بنمشيها
مشاوير الهوى
والشوق
يتوهج ويتوقد
دموع اللوعه في عينيك
كفكفها
وكف الآه
تعال ياوعد أيامي
تناديك خضر أحلامي
خضر أحلامي
سلامتها عيونك
ذي
مرآيا الشوق
سلامتها سلامتها
لاتستطيع الروح أن تترك أي جملة موسيقية ، أو كلمة في هذه الأغنية المدهشة ،، دون أن تستمع أليها وتقف أمامها وتتأملها بإمعان وإصغاء.
تجعل عينيك وذهنك يمعنان في كل أجزائها ومعانيها حرفاً حرفاً ،، وكلمة كلمة.
حيث تجعلك تُحلّق في سماوات ممطرة بالصمت والإنتشاء ، للعذوبة وغيوث الألق ، تشتعل كل مضايق الكون بالنور والضوء.
تشعر بأن روحك معتقلة في أفق عال من الحلم والشجن ، وبوح ينسكب من كل أرجاء الأمكنة حولك بالحياة والنغم ، وشهقات نفس تائقة للوصل ولحظات الإرتواء .
تلك هي أمل كعدل الروح الملأى.
بالنغم والسحر والدفْء والحب وشهقات الوله وانهمارات الإرتقاء والجمال.
لذلك نتسائل بحب ولهفة، أيعود الوقت والزمن لنسمع صوتك .؟
ليأخذنا من جديد ، ونُحلّق مجدداً بأشواق ملتهبة ودموع نسكبها ، حين يسمعنا صوتك أجمل النغم وأرق الكلام.
لاشك في ذلك ، فالأحلام والأيام القادمات ستحمل لنا من البياض والنور والفرح والبوح الكثير .






