اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الباخمري حين يتحول الى ذاكرة وطن بين الماضي والحاضر.

الباخمري حين يتحول الى ذاكرة وطن بين الماضي والحاضر.

بقلم / صدام عبيد يسر الزبيدي
الاحد 22 مارس 2026

في عالم تتسارع فيه التفاصيل حتى تكاد الايام تفقد ملامحها تبقى بعض الاشياء الصغيرة قادرة على مقاومة النسيان ليس لانها عظيمة في ظاهرها بل لانها تسكن في عمق الانسان والباخمري ذلك القرص الذهبي البسيط ليس مجرد طعام يؤكل بل حكاية تعاش وذاكرة تستعاد وجسر خفي يمتد بين الماضي والحاضر.

حين نتامل الباخمري لا نراه بعين الجوع فقط بل بعين الزمن هو ليس عجينا يلقى على النار بل لحظة انسانية تتكرر منذ عقود يد تعجن ونار تشتعل ووجوه تنتظر في تلك اللحظة يتوقف الزمن عن كونه رقما ويصبح احساسا كان الماضي لا يرحل بل يعيد ترتيب نفسه في كل مرة يخبز فيها هذا الرغيف.

في البيوت القديمة لم يكن الباخمري مجرد افطار بل كان طقسا كانت الامهات يقفن امام المواقد وكانهن يحرسن سرا قديما سر البقاء لم يكن هناك ترف في المكونات لكن كان هناك غنى في المعنى كانت رائحة الباخمري تمتد خارج الجدران لتعلن ان الحياة رغم بساطتها لا تزال ممكنة.

ومع مرور الزمن تغيرت اشياء كثيرة تبدلت المدن وتحولت البيوت الى شقق واختفت بعض الطقوس تحت ضغط السرعة لكن الباخمري بقي لا كعناد ضد التغيير بل كذاكرة ترفض ان تمحى هو لا يقف ضد الحداثة بل يذكرها بان الانسان مهما تطور يظل بحاجة الى جذوره.

في الحاضر قد يقدم الباخمري في مطاعم حديثة وقد يصور بهاتف ذكي ويشارك على وسائل التواصل لكن السؤال الاعمق ليس كيف ناكله بل ماذا نتذكر ونحن ناكله هل نشعر بذات الدفء الذي كان يملا البيوت ام اصبح مجرد صورة جميلة في عالم سريع النسيان.

هنا تتحول المسالة من طعام الى فلسفة الباخمري ليس مجرد خبز بل اختبار لعلاقتنا بالزمن هل نحن نعيش الحاضر فقط ام نحمل معنا ماضينا دون ان نشعر وهل يمكن لقطعة بسيطة من العجين ان تعيد الينا شعور الانتماء الذي فقدناه في زحام الحياة.

انه يطرح سؤالا وجوديا عميقا ماذا يعني ان ننتمي هل الانتماء ارض وحدود ام رائحة وذاكرة ربما يكون الوطن في احد معانيه الخفية هو تلك اللحظة التي نشعر فيها اننا لم نقتلع بالكامل من انفسنا والباخمري في صمته يهمس بان الانتماء ليس فكرة تقال بل احساس يعاش.

وفي مجتمعات عاشت التحولات يصبح للباخمري معنى اضافي هو ليس فقط ذكرى جميلة بل نوع من المقاومة الهادئة مقاومة ضد النسيان ضد الذوبان في عالم بلا ملامح هو اعلان غير مكتوب ان البساطة ليست ضعفا بل عمق لا يراه الجميع.

قد يبدو غريبا ان نحمل كل هذه المعاني في طعام بسيط لكن الحقيقة ان الانسان لا يعيش بالافكار الكبرى وحدها بل بالاشياء الصغيرة التي تمنحه شعور الاستمرار والباخمري في هذا السياق ليس مجرد غذاء للجسد بل غذاء للذاكرة.

بين الماضي والحاضر لا يقف الباخمري كقطعة جامدة من الزمن بل كحالة متجددة في كل مرة يصنع فيها يولد من جديد لكنه لا ينسى اصله وهذا ربما هو الدرس الاعمق ان نكون قادرين على التغير دون ان نفقد انفسنا وان نمضي الى الامام دون ان نقطع الخيط الذي يربطنا بالبداية.

في النهاية لا يتعلق الامر بالباخمري وحده بل بنا نحن كيف ننظر الى تفاصيل حياتنا هل نراها عابرة ام نحسن الاصغاء لما تقوله لان الاشياء البسيطة حين نمنحها الانتباه تكشف لنا ما هو اعقد واصدق
وهكذا يبقى الباخمري اكثر من مجرد رغيف انه ذاكرة وطن تختبئ في رائحة وتروى في صمت وتستمر ما دمنا نتذكر.

إغلاق