حكاية الحضارم في ليوان المديفر
كتب / جابر عبدالله الجريدي
الجمعة 20 مارس 2026
. بداية:
حكاية الحضارم وسر هذا الإسم الذي طاف مشارق الأرض ومغاربها وقدم نموذجاً باهراً من الإنجازات والنجاح. (حكاية الحضارم) جاء عنواناً بارزاً يحمل في طياته “إعجاباً لا سؤالاً” ، في برنامج من أفضل البرامج العربية الحوارية طرحاً، بين الأسئلة العميقة الصريحة والمحرجة، والسلسلة التاريخية التي أصبحت اليوم وكأن شيئاً مطموساً قد حاولوا تغييبه عن الواقع.
تابعت الحلقة التي دارت بين صاحب برنامج الليوان عبدالله المديفر برفقت ضيفه الحضرمي الأستاذ محمد بالفخر.
برامج الحواري عبدالله المديفر وإستقطاب الشخصيات للحديث عن جدل حصل مؤخراً، دائماً ما يختار ضيوفه بناءً على أن يعرفوا ويتحدثوا عن جدل طاف بالرأي العام وعصف به، واختيار (حكاية الحضارم) لم يأتي عبثاً بل عن أحداث حصلت مؤخراً داخل حضرموت نقول وكأنها نيران عظيمة إشتعلت في غابة، بعد حدث دخول القوات التابعة للإنتقالي التي تقول أن حضرموت جنوبية، وأصوات أخرى ترد عليها بأن حضرموت يمنية، بينما جاء الرد الفاعل الحضرمي والذي شكل رأياً عاماً بلغ صداه الكبير المنابر الإعلامية والقنوات الفضائية وأصبح حديث الساعة، أراد المديفر أن يستغل ذلك الزخم حول الضبابية الكبرى داخل حضرموت خصوصاً عن أغلب ردود الناشطين الحضارم الذين تحدثوا في شاشات التلفاز عن أحداث 67م والحديث عن أن حضرموت لن تكون تابعة لأحد بعد اليوم، هذا الموضوع أثار جدلاً واسعاً في الذاكرة العربية العامة، وأتبع ذلك تساؤلات عميقة منها: أليست حضرموت يمنية؟ وما سر الإعتداء من قبل الإنتقالي الجنوبي ومحاولة ضم حضرموت لمشروعه الإنفصالي؟ ولماذا ردود ناشطي حضرموت السياسيين والحقوقيين الحضارم كانت تدور حول إستقلالية، شراكة، ندية؟
هنا رأى المديفر أن هناك نقطة حساسة ليست ظاهرة للجميع ولابد من تعريفها وفهمها ومراجعتها واستعادة عناوين بارزة من الذاكرة الحضرمية قد كثر اللغط فيها ومحاولة وضع الستار لتمريرها عن الأجيال التالية.
الذي فهمته من مايريد الإعلامي عبدالله المديفر أن يصل إليه من خلال هذا اللقاء مع الأستاذ القدير محمد بالفخر هو ثلاثة أمور على ما أعتقد:
. الأول: إطلاق مسمى (الحضارم) على كل الذين هاجروا من أرضهم حضرموت، والإحتفاظ بهذا المسمى للتعريف عنهم، ومع العلم الحالي بأن حضرموت تابعة للملف اليمني وقبله الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية، وكان يبحث عن سبب الإحتفاظ بالهوية الحضرمية في أرض المهجر مع أنهم سافروا عبر جوازات مؤخراً لاتحمل حضرموت صفة الدولة أصلاً، بمعنى أن المواطن العماني عندما يذهب إلى أي بلد في العالم يقول أنا عماني، بينما الحضرمي يذهب بإجراءات الجوازات اليمنية ليعرف نفسه في أرض المهجر غالباً حضرمياً. وهذا يحتاج لطرح تاريخي يوضح بأن الحضارم عندما هاجروا إلى المشارق والمغارب كانوا حضارم يحملون مسمى الأرض والهوية التاريخية والوطنية، لأننا من قبل تاريخ معلوم قريب لايزيد عن سبعين سنة كنا مستقلين كياناً وإسماً وتاريخاً وحضارة تحت مسمى (حضرموت والحضارم) فلا يمكن لإسم حُمِلَ توارثاً لآلاف السنين أن يسلب قسراً خلال بضع سنين، تعاقبت الدثور والأزمنة، وهلكت أمة وتتبعها أمة ولا تزال حضرموت بنفس ملَكَتِها وعنفوانها (لاتخضع).
. الثاني: الأمر الثاني الذي يحمل رسالة عميقة التي يريد أن يصل إليها المحاور مقدم البرنامج عبدالله المديفر هو السر الخفي وراء تفوق ونجاح الحضارم في المهاجر لم يكن يريد إجابته في (التجارة) بل في سبيل الأنظمة والحكومات، بأن الحضرمي قد وصل في صناعة مستقبل دول واعدة كإندونيسيا مثلاً، وشارك أيضاً في إستقلال ماليزيا، ووصل الإنسان الحضرمي في أقطار الدول في العالم ونجح في إدارة مناصب حكومية كبرى كملك ورئيس دولة ووزراء، كأنه يقول بأن الإنسان الحضرمي أحدث تغييرات تاريخية بارزة في أرض المهجر فما السبب الذي يقف خلف ذلك؟ الإجابة لن أتكلف طرحها تاريخياً، بل إن السر الحضرمي للنجاح في أرض المهجر مازال ساري المفعول إلى زماننا هذا وهو ما نلاحظه واقعاً، أن الإنسان الحضرمي عندما يهاجر إلى منطقة معينة تجده يلتف حول بعضه متعاوناً متكاتفاً، عندما يذهبوا إلى منطقة ما فإنهم يشكلون كتل تسند بعضها بعضاً، بعكس علاقات الحضارم فيما بينهم داخل أرضهم، فإن العلاقات الداخلية في حضرموت أكثر تنافساً وتشاحناً وتعادياً، بينما تتغير المعادلة مائة وثمانون درجة في أرض المهجر، وهذا سبباً كبيراً فاعلاً في التأثير والنجاح الخارجي، والضياع والفوضى داخلياً، نجحنا في أرض المهجر لأننا تكاتفنا هناك، وفشلنا بالإدارة في الداخل لأننا تنافسنا وتنازعنا لأسباب عدة.
. الثالث: أراد المديفر أن يسلط الضوء على الحضارم “داخل” حضرموت لماذا لم يستطيعوا أن يقدموا إسهامات ملهمة مثل مافعله الحضارم في أرض المهجر؟ حضرموت كانت رمزاً من رموز التجارة العالمية قديماً فما العائق اليوم من أن تكون حضرموت رمزاً وطنياً إقتصادياً؟ الحضارم إستطاعوا المساهمة بشكل كبير في إستقلال دول ورفدها بإبتكاراتهم وأموالهم ودعمهم السخي ووصلوا إلى باب الحكم والمراكز الكبرى في الدول وصنعوا إنجازات كبيرة بينما في الداخل الحضرمي تعم المكان الفوضى والعبثية ومزيداً من التخلف والتراجع التنظيمي والسياسي والإقتصادي فتعيش حضرموت بالمسمى ولا توجد لها أي إسهامات حقيقة داخلياً لا يعكس الإسم المعروف خارجياً.
كان من الممكن أن توضع النقاط على الحروف لطرح سلسلة تاريخية بعد إلحاق حضرموت بمشاريع القومية التي من بعدها أصبحت الأحزاب تنخر من هيكلها حتى توشك على الهلاك، وأنه عندما جعل قرارها في غير أبناءها بسبب التهميش والتسلط من قبل اليمنيين الجنوبيين والشماليين أصبحت حضرموت من حينها ساحة صراع وليس بناء وتنمية وتطور وإزدهار.
المختصر.. الشرح للحديث عن ذلك يطول وأعمق بكثير ولكن أريد أن أختصر هذا المقال في جملة واحدة “أنه على حضارم الداخل أن يسلكوا نهج حضارم الخارج فيما يكون بينهم، وأن نستشعر أننا مارون زائلون مسجلون في صفحات التاريخ إما بياضُها أو سوادها، وأن نكمل النجاح ببعضه بعيداً عن التنافس والفردية، وأن نستعين بالله في جميع أمورنا”.






