“حين تُسحب أوراق القوة من طهران: معركة خنق النظام تبدأ من مضيق هرمز”
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
14 مارس 2026
تعيش المنطقة لحظة مفصلية قد تعيد رسم ميزان القوة في الخليج لعقود قادمة. فالمشهد العسكري والسياسي يكشف بوضوح أن النظام الإيراني لم يعد يقاتل من موقع المبادرة، بل من موقع المكابرة ومحاولة حفظ ما تبقى من ماء الوجه. ومع اتساع الضربات التي طالت قدراته العسكرية والبنية التحتية لقوته الصلبة وأذرعه الإقليمية، لم يعد أمام طهران سوى خطاب الصمود ومحاولات الترويج لتسوية توقف إطلاق النار قبل أن تكتمل عملية تجريدها من أدوات التهديد.
لكن الواقع على الأرض يشير إلى مسار مختلف تمامًا. فالولايات المتحدة لا تبدو في وارد الدخول في مفاوضات تمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترتيب أوراقه. ما يجري ليس مجرد ضغط عسكري محدود، بل عملية منهجية لخلع مخالب النظام، بدءًا من قدراته الصاروخية والبحرية، مرورًا بشبكة وكلائه في المنطقة، وصولًا إلى أدواته الاقتصادية التي كانت تمنحه القدرة على المناورة والابتزاز.
لقد خسر النظام الإيراني جزءًا كبيرًا من قوته العسكرية التقليدية، وتعرضت أذرعه الإقليمية لضربات متلاحقة أفقدتها القدرة على العمل كشبكة ضغط فعالة. ومع تقلص هذه الأدوات، لم يبق في يد طهران سوى ورقة واحدة تحاول التلويح بها: تهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز.
هذا المضيق الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية أصبح آخر ما تبقى للنظام الإيراني من أدوات التهديد. ولهذا السبب نشهد تصعيدًا في خطاب التهديد ضد السفن التجارية ومحاولات تعطيل حركة الملاحة. غير أن هذه الورقة أيضًا تبدو في طريقها إلى السقوط، لأن المجتمع الدولي لن يسمح بأن يبقى شريان الطاقة العالمي رهينة لنظام يعيش لحظة انكشاف استراتيجي.
السيناريو الأقرب للواقع هو انتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة أكثر حسماً: تأمين المضيق بالقوة. وقد يتطلب ذلك نشر قوات برية تفرض السيطرة على الجزر الاستراتيجية الواقعة عند مدخل المضيق، وربما امتداد السيطرة إلى بقية الجزر الإيرانية المنتشرة في الخليج. حينها ستفقد طهران آخر موقع جغرافي يمنحها القدرة على تهديد الملاحة العالمية.
إذا حدث ذلك، فإن النظام الإيراني سيجد نفسه أمام حصار استراتيجي كامل:
اقتصاده مخنوق، ومنافذه البحرية تحت السيطرة، وأذرعه الإقليمية مفككة، وقدرته على تهديد الخليج أو ابتزاز العالم بالطاقة قد انتهت.
عند تلك اللحظة لن تكون القضية مجرد حرب عسكرية، بل إعادة صياغة كاملة لمعادلة القوة في الخليج العربي.
وهنا يبرز سؤال تاريخي لا يقل أهمية عن كل ما سبق:
هل ستغتنم الإمارات هذه اللحظة الاستثنائية التي قد لا تتكرر؟
فالجزر الإماراتية الثلاث — طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى — بقيت لعقود تحت الاحتلال الإيراني رغم وضوح الحق التاريخي والقانوني للإمارات فيها. واليوم، وفي ظل تغير موازين القوة وانشغال النظام الإيراني بمعركة وجودية، قد تكون الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى لإعادة فتح هذا الملف على الأرض وليس فقط في أروقة الدبلوماسية.
إن الحقوق التاريخية لا تُستعاد بالانتظار، بل باللحظات الحاسمة التي يفرضها تغير ميزان القوة. والتاريخ يعلمنا أن الفرص الاستراتيجية الكبرى لا تتكرر كثيرًا.
المنطقة اليوم تقف على أعتاب مرحلة جديدة؛ مرحلة قد تنتهي بتجريد النظام الإيراني من أدوات تهديده، وإعادة تشكيل منظومة الأمن في الخليج على أسس أكثر استقرارًا. وما سيحدد شكل هذه المرحلة ليس فقط نتائج الحرب، بل القرارات التي ستتخذها دول المنطقة في اللحظات الفاصلة التي تكتب عادةً فصول التاريخ.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






