أعراسنا الحضرمية بين العادات الأصيلة والتكاليف الدخيلة
كتب / سفيان بن ذياب
الخميس 12 مارس 2026م
*من المؤسف حقاً أن نرى في مجتمعنا أناساً يشكون الفقر، ويتحدثون عن ضيق المعيشة، ويعانون من الظروف الصعبة التي ابتُلي بها بلدنا في هذه السنوات .. ثم نراهم في الوقت نفسه يتسابقون إلى التفاخر في الأعراس والمناسبات.*
*فبدل أن تكون هذه المناسبات بسيطة يسيرة كما كانت في تقاليدنا الأصيلة، أصبحت ساحةً للمباهاة والتكلف، حتى وصل الأمر إلى استحداث عادات لم تكن معروفة من قبل، تزيد الأعباء على الناس، وتثقل كاهلهم بتكاليف لا يطيقونها.*
*بل إن بعضهم يضطر إلى الاستدانة والدخول في الديون فقط ليقال: إنهم لم يكونوا أقل من غيرهم.*
*وهذا لون من التفاخر المذموم الذي نهى عنه ديننا الحنيف، فالإسلام جاء يدعو إلى التيسير، وإلى البعد عن الإسراف والمباهاة.*
*قال الله تعالى:*
*﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.*
*والأدهى من ذلك أن بعض هذه المظاهر الدخيلة لا تمد إلى تقاليد مجتمعنا الحضرمي الأصيل بصلة، بل قد تخالف قيمه وعاداته، بل وقد تتجاوز ذلك إلى ما يخالف تعاليم ديننا، مما نراه في بعض الأعراس من طربٍ مفرط، ورقصات وسلوكيات لا تمثل أخلاق مجتمعنا المحافظ*.
*ومن المفارقات المؤلمة كذلك أن بعض الناس يقصّرون في إكرام ضيوفهم ومعازيمهم في وليمة الزواج، ويعتذرون بغلاء الأسعار وصعوبة الأوضاع الاقتصادية، ثم لا يلبث أن يُنفق الأموال الطائلة في عادات دخيلة ومظاهر استعراضية لا تُعد من أساسيات الزواج، وكأن الكرم في موضعه أصبح ثِقلاً، بينما البذخ في غير موضعه صار أمراً مقبولاً، ونسي هؤلاء أن إكرام الضيف في الوليمة سنة نبوية، وعادة حضرمية أصيلة عُرف بها أهل هذه البلاد عبر تاريخهم.*
*فالوليمة شُرعت لإشهار النكاح، وجمع الناس على الطعام، وإدخال السرور على القلوب، وهي من مظاهر الكرم التي تميّز بها مجتمعنا، أما التفاخر بالمظاهر الزائفة فليس من الدين ولا من أصالة العادات.*
*إن الزواج في حقيقته ميثاقٌ غليظ وبداية حياة، وليس ميداناً للمباهاة أو استعراض القدرة المالية.*
*وللأسف فإن كثيراً من هذه المظاهر تُدفع إليها الأسر بدافع المقارنات الاجتماعية، وأحياناً بضغوط من بعض النساء اللاتي قد لا يقدِّرن حجم المعاناة التي يتحملها الرجل في ظل هذه الظروف القاسية لتأمين لقمة العيش لأسرته.*
*لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:*
*إن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الرجل، فهو وليُّ أمر الأسرة، وهو الراعي الذي يحفظها من الانجرار خلف العادات الخاطئة.*
*قال الله تعالى:*
*﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.*
*وقال النبي ﷺ:*
*«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».*
*وقال ﷺ:*
*«كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يعول».*
*فالقوامة ليست تسلطاً، وإنما مسؤولية وحكمة في إدارة الأسرة، ومن ذلك أن يحمي الرجل أهله من الوقوع في الإسراف، أو التقليد الأعمى، أو التكاليف التي لا يطيقها.*
*نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء قيم البساطة، والتيسير في الزواج، والعودة إلى عاداتنا الطيبة التي كانت تقوم على القناعة والاعتدال.*
*فليكن التفاخر الحقيقي بالأخلاق، والدين، والسمعة الطيبة، لا بالمظاهر المؤقتة التي تزول، وتبقى بعدها الديون والندم.*
*فلنراجع أنفسنا قبل أن تتحول الأفراح إلى أعباء، والمناسبات إلى ديون، والعادات إلى قيود تثقل كاهل المجتمع.*
*فخير الأمور أوسطها، وأجمل الأعراس ما كان أقرب إلى البساطة والتيسير.*






