ذهبَ معظمُ رمضان .. وبقي أعظمُه!
بقلم/ أ. علي عباس بن طالب
الأحد 8/ مارس/ 2026م.
*▪️يا أيها الغافل عن مواسم الرحمة، يا من أقبل عليك شهر المغفرة فأعرضت، ويا من مرّت عليك لياليه المباركة سريعاً كأنها لمح البصر… لقد مضى معظم رمضان، وانقضت أيامه الأولى ولياليه المباركة، وبقي أعظمه وأشرفه وأعلاه قدراً.*
مضت أيامٌ كانت ميادين للطاعات، ومواسم للدموع، وأوقاتٌ تتنزل فيها الرحمات وتُفتح فيها أبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران وتُصفّد الشياطين.
بقيت العشر الأواخر من رمضان .. تاجُ الشهر، وخاتمتُه، وسرُّه الأعظم .. يا من أدركتَ رمضان ثم مضى أكثره من بين يديك .. يا من ودَّعت لياليه سريعًا كأنها حلمٌ قصير .. ها هو الكنز الحقيقي قد أقبل، ها هي الأيام التي كان رسول الله ﷺ إذا دخلت شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، واجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها.
يا الله .. كيف مضت الأيام مسرعةً كأنها سحابة صيف؟! كيف ودّعنا ليالي كانت بالأمس القريب أمنياتٍ نتشوق إليها، وها هي اليوم تطوى من أعمارنا طيًّا؟!
*لقد ذهب من الشهر جُلُّه .. وبقي تاجُه،* وبقي قلبُه، وبقي سرُّه العظيم .. بقيت الليالي التي كان ﷺ إذا دخلت شدَّ مئزره، وأيقظ أهله، وأحيا ليله، كما ثبت في الصحيحين.
*ذهب من الشهر معظمه ..*
وبقيت ليالٍ هي أعظم ما فيه ..ليالٍ تتنزل فيها الملائكة، ويتنزل فيها الرحمات، وتُكتب فيها الأقدار، ويُعتق فيها الرقاب من النار.
*فيا من قصَّر في أوله ..*
يا من غلبته الغفلة .. يا من أثقلته الذنوب .. لم يُغلق الباب بعد .. إن ربك يناديك في هذه الليالي نداءَ رحمةٍ لا نداءَ قطيعة، ويفتح لك أبواب السماء، ويقول لك بلسان الحال: “عُد… فما فات يمكن أن يُجبر، وما انكسر يمكن أن يُرمم.” أتبكي على ما مضى؟ فاجعل البكاء توبة *أتندم على تقصيرك؟* فاجعل الندم وقود قيامك ، أتخاف أن تُحرم؟ فأرِ الله من نفسك صدقًا في هذه الليالي، يكتبك في أهل القبول.
*تذكّر ..* كم من أناسٍ كانوا معنا في رمضان الماضي، وهم اليوم تحت التراب ، كم من أصواتٍ كانت تملأ المساجد، واليوم لا يُسمع لهم إلا صمت القبور!
*ونحن ما زلنا نُمهل ..*
ما زال في أعمارنا بقية .. فهل نغتنمها؟ هذه الليالي ليست للهواتف، ولا للسهر على ما لا ينفع،ولا للخصومات، ولا لتصفية الحسابات الدنيوية…
هذه الليالي للركوع الطويل، للسجود الذي تُسكب فيه الدموع، للدعاء الذي يخرج من قلبٍ منكسر، للاستغفار الذي يُمحى به تاريخٌ من الخطايا.
كان ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها ، فأين نحن من هذا الاجتهاد؟ أين نحن من القيام حتى تتورم الأقدام؟ أين نحن من قلبٍ يتلذذ بالخلوة مع الله؟
*ذهب شهرٌ رمضان معظمه ..*
وبقي أعظمه .. فلا تجعل الباقي كالماضي ، شدّ العزم .. أحْيِ ليلك .. أيقظ قلبك .. صافِح القرآن من جديد .. أطلق العنان لدعائك .. وكرر في سجودك: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني.” لعلها ليلةٌ تُكتب فيها من أهل الجنة .. لعلها سجدةٌ تُغفر بها ذنوبك كلها، لعلها دمعةٌ تمحو ما لا يمحوه العمر كله.
يا من ضيّعت أول الشهر .. لا تضيع آخره.
يا من قصّرت في الأيام الماضية .. أدرك ما بقي قبل الفوات .. فوالله ما ندري هل نعيش إلى رمضان آخر أم يكون هذا آخر رمضان في أعمارنا.
كم من أناسٍ صاموا معنا العام الماضي وهم اليوم تحت التراب .. وكم من وجوهٍ كانت معنا في المساجد واليوم تفترش الأكفان .. كانوا يؤملون رمضان آخر .. لكن الموت كان أسرع.
فيا من تقرأ هذه الكلمات…
اغتنم ما بقي، وأكثر من: الصلاة، والقيام،والقرآن، والصدقة، والاستغفار، والدعاء،وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وإطعام المساكين.
*تذكر دائماً:*
ذهب معظم رمضان .. وبقي أعظمه ،فمن فاته الكثير فليغتنم القليل، فرب ليلةٍ في آخر الشهر تغيّر مصير إنسان إلى الأبد.
*ذهب شهرٌ رمضان معظمه ..*
وبقي أعظمه .. بقيت ليالي العتق .. بقيت ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر .. بقيت ساعاتٌ إن صدقت فيها، غُفر لك ما تقدم من ذنبك.
*فلا تقل: فات الأوان.*
بل قل: هذه فرصتي الأخيرة ، هذه الليالي قد لا أعيشها مرةً أخرى ، قد لا أدرك رمضان القادم ، قد تكون هذه آخر سجدةٍ في رمضان، وآخر دمعة، وآخر دعاء.
*شدّوا المآزر ..* أحيوا الليل ، قرّبوا المصاحف إلى صدوركم ، أكثروا من الاستغفار .. أصلحوا ما بينكم وبين الناس .. اعفوا، سامحوا، تنازلوا .. فالدنيا قصيرة، والآخرة أطول مما نتصور.
*ذهب شهرٌ معظمه ..*
لكن بقي أعظمه .. فلا تجعل أعظمه يذهب كما ذهب أوله وأوسطه.
*ذهب شهرٌ معظمه .. فهل نُحسن ختام أعظمه؟*






