رمضان ارتقاء الأُمّة
بقلم : #مرعي_حميد
الجمعة 6 مارس 2026
ترتقي حياة المُسلمين الماديّة و الروحية ارتقاءً ملموساً كُلّما عاد شهر رمضان ، ارتقاء هي بحاجة ماسّة له طوال العام و هي جديرة به و خليقة و لكن هذا ما لا يحصل عمليّاً إلا في رمضان الشهر التاسع من شهور العام الهجري / القمري ، فإذا جاء رمضان ارتقت ، و هذا ما يرجوه النابهون من أبناء الأمة الإسلامية لأنفسهم و لها على الدوام و في كل مكان وجدوا من أرجاء الأرض ..
إنّ رمضان شهر مخصوص من أشهر العام و صيامه ركن من أركان الإسلام الخمسة ، و يُمثّل صيامه كل عام نقطة تحوّل و سُمو بداية من بحر أيامه ، و هو يعود كل عام ليحدُث و يستمر هذا الارتقاء ، و يعود وقد اشتاقت له النفوس المؤمنة و تاقت للارتقاء فيه و لحياته الفارقة المُميّزة ..
يقطع الصيام صاحبه و صاحبته عن سائر المُفطّرات و في مقدمتها الطعام و الشراب و لكنّه يُضفي على واقعهم المادي و الروحي صِبغة عالية و مُتقدّمة ، و هذا من كرم رمضان و الكرم الرمضاني الأصيل و من هُنا يكتسب رمضان صِفة الكرم و صِفة البرَكة فهو ( رمضان كريم ) و ( رمضان مُبارك ) ..
إنّ التقدُّم المادي الحادث في رمضان يتمثّل في المطاعم و المشارب ( الرمضانية ) التي يجدها مُعظم المسلمين ، وهي بكل حال لا تُنقِص و لا تنال من قيامهم بصوم النهار فليس الجوع غاية في حد ذاته من الصيام ، وقد يكون بعض أثره على من صام ، لذا كانت وجبة السُحور التي حض الرسول أبناء الأمة عليها فقال صلى الله عليه و سلّم : (( تسحّروا فإنّ في السحور بَرَكة )) .. ، إنّ الامتناع عن الطعام و الشراب و سائر المُفطّرات ، كالجماع لمن كان متزوّجاً ، في نهار رمضان هو علامة سامية من علامات الطاعة لله عز و جل و شارة باهرة من شارات الالتزام و الإذعان لأمر الله جل جلاله الذي خلق الناس لعبادته وحده لا شريك له إيماناً به ربّاً واحداً و إلهاً لا شريك له ، و تنفيذاً خالصاً لأمره الوجوبي التعبُدي ، و هو الذي خلق الخلق و هو الذي يختار لهم طريقة عبادته و من ذلك الصيام ذاته و الصلاة و الحج و الزكاة ، وقياماً بالتقرّب إليه مع هذا كله بما استحب من عباده من سائر أنواع المُستحبات التي رتّب عليها بفضله و كرمه ، كما على الواجبات ، الأجور العظيمة و المثوبة الكبيرة و أعلى المادي من هذا الأجر و الثواب دخول جنّات النعيم و العيش الخالد فيها ، و أعلى الروحي منه رضا الله تعالى و النظر إلى وجهه الكريم في الجنّة العالية …
لقد صرّح الرسول بالفرح الذي يغمر أهل الإسلام ساعة الإفطار من كل يوم رمضاني تحديداً ، و ما استطاع المسلمون التوسعة على أنفسهم بالتزامن مع تلك الفرحة بأطايب الطعام و الشراب فلهم ذلك ، امتناع بالنهار و في الليل استمتاع بروائع ما أوجد و أباح الله تعالى من صنوف الطعام و الشراب و سائر المُتع الطيّبة ..
و يكون بتمام صيام رمضان ذروة التقدّم المادّي يوم العيد و أيامه التالية حيث يلبس المسلمون جديد الثياب و يبلغ توسُّعهم أوجه في المطاعم و المشارب و بعض ذلك يتيسّر لهم بتعاونهم وتكاتفهم ببذل أهل السخاء و الجِدة لمن لا يجدون و هذا مُتصل طوال شهر الصيام …
فيما يتمثّل التقدّم الروحي في شعيرة الصيام أولاً ذات الخصوصية و المقدار العالي عند الله عز و جل ، فقد جاء في الحديث القُدسي الذي يرويه الرسول صلى الله عليه و سلّم عن ربِّه عز و جل: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنّه لي و أنا أجزي به )) ،و هذه الخصوصية الرفيعة لسائر الصيام و لكن يحتل الواجب دوماً مكانة مُتقدّمة على ما هو مُستحب من سائر العبادات و الطاعات كما في الحديث القُدسي الآخر : (( ما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه ،و لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبه …)) ، يمضي الصائم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وهو في عبادة مستمرة متصلة حتى خلال نومه فيها فتكون الثمان الساعات و ربما أكثر في حال تعبّدي فيما لا تأخذ الصلاة الواجبة منه أكثر من ساعة و نصف وضوءاً و أداءً ..
و يتجلّى التقدُّم الروحي الرمضاني ثانياً في الحرص على قيام رمضان وذلك كل ليلة من ليالي الشهر و تُضاف لها صلاة التهجُد في الليالي العشر الأواخر منه التي هي ذروة الليالي لياليه لتضمنها ليلة القدر أسنى ليالي العام على الإطلاق ، و يتضمن القيام الاستماع لمئات الآيات و آلافها طوال شهر رمضان و في هذه الأجواء تفيض السعادة الروحية على الأنفس المؤمنة و تعيش بهجة الإيمان و الوجود في حضرة الله العلي الكبير ، و كلما ازداد صلاة ليلية المؤمن ، كما المؤمنة ، نال المزيد من هذا النصيب العالي …
و في الإقبال على تلاوة القرآن و تدبّره في الصلاة و خارجها خلال شهر رمضان فرصة ثمينة للارتقاء الروحي بتحقيق المزيد من الإدراك و نيل وافر التذكير بصفات ذات الله و أفعاله و بالقيم النظرية و العلوم الإسلامية و السْير الفريدة و المواعظ البليغة .
إنّ للمُجتهدين في رمضان شأن آخر أعلى مع القرآن العظيم كُلاً بقدر ما يُحسنه حفظاً و تلاوة و تدبُّراً و مُدارسة و تفسيراً و تأمّلات في مُحكم السور و الآيات ، و قد كان لإمام المُجتهدين محمد رسول الله صلى الله عليه و سلّم مع القرآن في رمضان أعلى الشأن و الحال حيث كان أمين الوحي جبريل عليه السلام يُدارسه فيه كامل ما قد نزل منه في الفترة السابقة لرمضان ذاك و منذ بداية ما نزل ، إلى أن دارسه القرآن كاملاً مرتين في آخر رمضان عاشه النبي صلى الله عليه و سلّم…
والقيام ليلة القدر يمنح الروح زاد مُميّز فتنبسط و تتنسم عبير للربانية غير مُتكرر و تتعرّض للأنوار التنزلية ذات الواقع المرافق لتنزُل الملائكة فيها …
و الاعتكاف سُنّة ثابتة حافظ عليها الرسول صلى الله عليه و سلّم في العشر الأواخر من رمضان و في الاعتكاف تفرُّغ من المشاغل الصارفة عن أعلى درجات الاستيعاب لموسم الروحانية السنوي لكل المسلمين و المسلمات في مشارق الأرض و مغاربها ، فيأتي الاعتكاف تتويج للحرص على أفضل ما يمكن من الارتقاء الروحاني …
و تتسع مساحة المكاسب الروحية الرمضانية في ظل أجواءه الإيمانية و أفياءه النورانية عن ذلك لتشمل سائر القُربات ومنها الدُعاء خارج الصلاة و الصدقة و إخراج الزكاة و التعاون على أعمال البِر و المكوث الأطول في المسجد و ذكر الله بالقلب و اللسان و تعلّم العلم النافع و العُمرة و كل ما عدا ذلك ممّا رغّب فيه الإسلام أهله .
و إذا كان التقدُّم المادّي غير مُتيسّر للجميع بذات المستوى فإنّ التقدّم الروحي مُتاح و مُمكن للجميع و بدون تمييز ما وجد الحرص على تحقيقه من صاحبه و صاحبته ، و لربما فاق فيه المحدود المال ذي السِعة و الغنّاء ..
و يحافظ الصائم ، كما الصائمة ، على تقدمهما الروحاني و مكاسبهما الروحية في كامل الشهر الفضيل بالامتناع و الاستغفار عن ما لا ينسجم مع ذلك من مشاهدة ما لا يُرضي الله أو القيام به فهما خصمان للارتقاء الروحي و مُذهبان له في الجملة فكلما حرص المسلم على خير رمضان حرص الشيطان على إبعاده عن ذلك بشتّى الحيل و الصور بما في ذلك تحبيب المُباحات له أكثر من أي وقت قبل رمضان حتى ينصرف لها عن نوافل الطاعات و يُقصّر في الواجبات صلاة بلاخشوع و تلاوة بلا حضور فكر و قلب ، و صيام بلاصيانة للنفس من مشاهدة ما لا يرضي الله و إشغال البال به ، و لكن المسلم و المسلمة ينتصران على تزيين الشيطان بالوعي و الإدراك و الفِطنّة و التفطُّن لذلك كله و لأهمية استيعاب أوقات رمضان في ما هو خير و أبقى …
و ختاماً…
ندى و إشراق روحاني يأتي به نِداء الصيام الجسدي إلى حياة أهل الإسلام كل عام و بعض أثر ذلك يستمر معهم طوال العام حتى يعود رمضان من جديد فيزيدون منه و يزدادون ، و هكذا عام إثر عام ، و رمضان إثر رمضان ، ومع ذلك كنوز الحسنات و مثاقيل الإحسان الذي يجدونه بالسعادة الغامرة يوم الدين يوم يقوم الناس لله رب العالمين فكاسبون فرحون مُفلحون و غيرهم خاسرون نادمون مُعذّبون…






