اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الاحتواء “الرصيد العاطفي”

الاحتواء “الرصيد العاطفي”

بقلم / م. اشرف حيمد قفزان
الخميس 5 مارس 2026

في سباق الحياة العنيف، وبحثاً عن “تأمين المستقبل”، يغيب عن أذهان الكثير من الآباء أن المستقبل لا يُبنى بالخرسانة والحسابات البنكية فقط، بل يُبنى بمتانة النفس التي يمنحها “الاحتواء”. فماذا يحدث حين تتحول الأسرة إلى “مؤسسة تمويل” وتفقد دورها كـ “ملاذ آمن”؟
الاحتواء ليس كلمة رومانسية، بل هو حاجة بيولوجية ونفسية. هو قدرة الأب والأم على استيعاب “قلق” الأبناء، وتوفير مساحة خالية من الأحكام. حين يغيب هذا الاحتواء، يبدأ الابن بالبحث عن “وعاء” آخر يفرغ فيه مشاعره، وغالباً ما يكون هذا الوعاء هو الشارع أو الفضاء الرقمي المجهول.
كثير من الآباء المعاصرين يقعون في فخ “التعويض المادي”؛ حيث يتم استبدال الوقت العاطفي بالهدايا والأجهزة الذكية.
النتيجة، ينشأ جيل يمتلك كل شيء تقنياً، لكنه يفتقر للذكاء العاطفي والمرونة النفسية تكمن خطورتها في الغياب المستمر بداعي كسب الرزق فيرسل رسالة غير مباشرة للابن: “المال أهم منك”، مما يزعزع ثقته بنفسه وبقيمته الإنسانية.
يحلل خبراء الاجتماع تصرفات الشباب الطائشة (مثل السرعة الجنونية، التمرد على القوانين، أو حتى تعاطي المخدرات) بأنها ليست “فساداً في الأخلاق” بقدر ما هي “نداء انتباه”.
فالتمرد على الذات هو محاولة من الشاب لمعاقبة محيطه من خلال إيذاء نفسه، كأنه يقول: “إذا كنت لا تراني وأنا ناجح، فهل ستراني وأنا أحطم حياتي؟”.
كذلك البحث عن الانتماء يدفع الشاب الذي لا يحتويه بيته، ليصبح لقمة سائغة للجماعات المتطرفة أو رفاق السوء الذين يمنحونه شعوراً “مزيفاً” بالقبول والاحتواء.
لإعادة بناء الجسور العاطفية، لا بد من التركيز على ثلاثية الأمان:
الاستماع الفعّال: تخصيص 15 دقيقة يومياً للحوار دون نصائح أو توبيخ.
المشاركة الوجدانية: أن يشعر الابن أن والده “يشعر به” قبل أن “يصلح خطأه”.
الوجود النوعي: العبرة ليست بعدد الساعات التي تقضيها في البيت، بل بمدى حضورك الذهني والعاطفي أثناء وجودك.
إن “لقمة العيش” الممزوجة بالقسوة أو الإهمال العاطفي هي لقمة مرة المذاق. إن أعظم استثمار يمكن للأب أن يقدمه لأبنائه ليس “ميراثاً مالياً”، بل “رصيداً من الذكريات الآمنة” والاحتواء الذي يحميهم من عواصف الحياة الخارجية.

إغلاق